البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٥ - أبو على عبد الرحيم بن القاضي الأشرف
الثلاثاء سادس ربيع الآخر، و احتفل الناس بجنازته، و زار قبره في اليوم الثاني الملك العادل، و تأسف عليه، ثم استوزر العادل صفى الدين بن شكر، فلما سمع الفاضل بذلك دعا اللَّه أن لا يحييه إلى هذه الدولة لما بينهما من المنافسة، فمات و لم ينله أحد بضيم و لا أذى، و لا رأى في الدولة من هو أكبر منه، و قد رثاه الشعراء بأشعار حسنة، منها قول القاضي هبة اللَّه بن سناء الملك:
عبد الرحيم على البرية رحمة* * * أمنت بصحبتها حلول عقابها
يا سائلي عنه و عن أسبابه* * * نال السماء فسله عن أسبابها
و أتته خاطبة إليه وزارة* * * و لطال ما أعيت على خطابها
و أتت سعادته إلى أبوابه* * * لا كالذي يسعى إلى أبوابها
تعنو الملوك لوجهه بوجوهها* * * لا بل تساق لبابة برقابها
شغل الملوك بما يزول و نفسه* * * مشغولة بالذكر في محرابها
في الصوم و الصلوات أتعب نفسه* * * و ضمان راحته على إتعابها
و تعجل الإقلاع عن لذاته* * * ثقة بحسن مآلها و مآبها
فلتفخر الدنيا بسائس ملكها* * * منه و دارس علمها و كتابها
صوامها قوامها علامها* * * عمالها بذالها و هابها
و العجب أن الفاضل مع براعته ليس له قصيدة طويلة، و إنما له ما بين البيت و البيتين في أثناء رسائله و غيرها شيء كثير جدا، فمن ذلك قوله:
سبقتم بإسداء الجميل تكرما* * * و ما مثلكم فيمن يحدث أو يحكى
و كان ظني أن أسابقكم به* * * و لكن بلت قبلي فهيج لي البكا
و له:
ولى صاحب ما خفت من جور حادث* * * من الدهر إلا كان لي من ورائه
إذا عضنى صرف الزمان فاننى* * * براياته أسطو عليه ورائه
و له في بدو أمره:
أرى الكتاب كلهم جميعا* * * بأرزاق تعمهم سنينا
و ما لي بينهم رزق كأنى* * * خلقت من الكرام الكاتبينا
و له في النحلة و الزلقطة:
و مغردين تجاوبا في مجلس* * * منعاهما لأذاهما الأقوام
هذا يجود بعكس ما يأتى به* * * هذا فيحمد ذا و ذاك يلام
و له:
بتنا على حال تسر الهوى* * * لكنه لا يمكن الشرح