البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٥٦ - ثم دخلت سنة سبع و ستمائة
بلغني أن مولده سنة ثلاث و أربعين و خمسمائة و من شعره قوله:
إليك إله الخلق وجهي و وجهتى* * * و أنت الّذي أدعوه في السر و الجهر
و أنت غياثي عند كل ملمة* * * و أنت ملاذي في حياتي و في قبري
ذكره ابن الساعي عن ياقوت الحموي عن ابن لفخر الدين عنه و به قال:
تتمة أبواب السعادة للخلق* * * بذكر جلال الواحد الأحد الحق
مدبر كل الممكنات بأسرها* * * و مبدعها بالعدل و القصد و الصدق
أجل جلال اللَّه عن شبه خلقه* * * و أنصر هذا الدين في الغرب و الشرق
إله عظيم الفضل و العدل و العلى* * * هو المرشد المغوى هو المسعد المشقى
و مما كان ينشده:
و أرواحنا في وحشة من جسومنا* * * و حاصل دنيانا أذى و وبال
و لم نستفد من بحثنا طول عمرنا* * * سوى أن جمعنا فيه قيل و قالوا
ثم يقول: لقد اختبرت الطرق الكلامية و المناهج الفلسفية فلم أجدها تروى غليلا و لا تشفى عليلا، و رأيت أقرب الطرق طريقة القرآن، أقرأ في الإثبات الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ و في النفي لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا.
ثم دخلت سنة سبع و ستمائة
ذكر الشيخ أبو شامة أن في هذه السنة تمالأت ملوك الجزيرة: صاحب الموصل و صاحب سنجار و صاحب إربل و الظاهر صاحب حلب و ملك الروم، على مخالفة العادل و منابذته و مقاتلته و اصطلام الملك من يده، و أن تكون الخطبة للملك كنجر بن قلج أرسلان صاحب الروم، و أرسلوا إلى الكرج ليقدموا لحصار خلاط، و فيها الملك الأوحد بن العادل، و وعدهم النصر و المعاونة عليه.
قلت: و هذا بغى و عدوان ينهى اللَّه عنه، فأقبلت الكرج بملكهم إيواني فحاصروا خلاط فضاق بهم الأوحد ذرعا و قال: هذا يوم عصيب، فقدر اللَّه تعالى أن في يوم الاثنين تاسع عشر ربيع الآخر اشتد حصارهم للبلد و أقبل ملكهم إيواني و هو راكب على جواده و هو سكران فسقط به جواده في بعض الحفر التي قد أعدت مكيدة حول البلد، فبادر إليه رجال البلد فأخذوه أسيرا حقيرا، فأسقط في أيدي الكرج، فلما أوقف بين يدي الأوحد أطلقه و منّ عليه و أحسن إليه، و فاداه على مائتي ألف دينار و ألفى أسير من المسلمين، و تسليم إحدى و عشرين قلعة متاخمة لبلاد الأوحد، و أن يزوج ابنته من أخيه الأشرف موسى، و أن يكون عونا له على من يحاربه، فأجابه إلى ذلك كله فأخذت منه الايمان بذلك و بعث الأوحد إلى أبيه يستأذنه في ذلك كله و أبوه نازل بظاهر حراب في أشد حدة