البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢١٤ - الملك الناصر داود بن المعظم
عليه الكثير بدمشق، ثم عاد فمات ببلده برادا في هذه السنة، (رحمه اللَّه).
البدر لؤلؤ صاحب الموصل
الملقب بالملك الرحيم، توفى في شعبان عن مائة سنة [١] و قد ملك الموصل نحوا من خمسين سنة، و كان ذا عقل و دهاء و مكر، لم يزل يعمل على أولاد أستاذه حتى أبادهم، و أزال الدولة الاتابكية عن الموصل، و لما انفصل هولاكوخان عن بغداد- بعد الوقعة الفظيعة العظيمة- سار إلى خدمته طاعة له، و معه الهدايا و التحف، فأكرمه و احترمه، و رجع من عنده فمكث بالموصل أياما يسيرة، ثم مات و دفن بمدرسته البدرية، و تأسف الناس عليه لحسن سيرته و جودة معدلته، و قد جمع له الشيخ عز الدين كتابه المسمى بالكامل في التاريخ فأجازه عليه و أحسن إليه، و كان يعطى لبعض الشعراء ألف دينار. و قام في الملك بعده ولده الصالح إسماعيل. و قد كان بدر الدين لؤلؤ هذا أرمنيا اشتراه رجل خياط، ثم صار إلى الملك نور الدين أرسلان شاه بن عز الدين مسعود بن مودود بن زنكي ابن آقسنقر الاتابكى صاحب الموصل، و كان مليح الصورة، فحظي عنده و تقدم في دولته إلى أن صارت الكلمة دائرة عليه، و الوفود من سائر جهات ملكهم إليه. ثم إنه قتل أولاد أستاذه غيلة واحدا بعد واحد إلى أن لم يبق معه أحد منهم، فاستقل هو بالملك، و صفت له الأمور، و كان يبعث في كل سنة إلى مشهد على قنديلا ذهبا زنته ألف دينار، و قد بلغ من العمر قريبا من تسعين سنة، و كان شابا حسن الشباب من نضارة وجهه، و حسن شكله، و كانت العامة تلقبه قضيب الذهب، و كان ذا همة عالية و داهية شديد المكر بعيد الغور، و بعثه إلى مشهد على بذلك القنديل الذهب في كل سنة دليل على قلة عقله و تشيعه و اللَّه أعلم.
الملك الناصر داود بن المعظم
ترجمه الشيخ قطب الدين اليونينى في تذييله على المرآة في هذه السنة، و بسط ترجمته جدا و ما جرى له من أول أمره إلى آخره. و قد ذكرنا ترجمته في الحوادث، و أنه أودع الخليفة المستعصم في سنة سبع و أربعين وديعة قيمتها مائة ألف دينار فجحدها الخليفة، فتكرر وفوده إليه، و توسله بالناس في ردها إليه، فلم يفد من ذلك شيئا، و تقدم أنه قال لذلك الشاعر الّذي مدح الخليفة بقوله
لو كنت في يوم السقيفة حاضرا* * * كنت المقدم و الامام الاورعا
فقال له الناصر داود: أخطأت فقد كان جد أمير المؤمنين العباس حاضرا يوم السقيفة و لم يكن المقدم، و هو أفضل من أمير المؤمنين، و إنما كان المقدم أبو بكر الصديق، فقال الخليفة صدق و خلع عليه، و نفى ذلك الشاعر- و هو الوجيه الفزاري- إلى مصر، و كانت وفاة الناصر داود بقرية البويضا مرسما عليه و شهد جنازته صاحب دمشق.
[١] في المصرية: عن ثمانين سنة.