البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٤٢ - الشيخ عبد اللَّه الأرمني
و الأبدال و الأوتاد، و ممن كانت له الأحوال و المكاشفات و المجاهدات و السياحات في سائر النواحي و الجهات، و قد قرأ القرآن في بدايته و حفظ كتاب القدوري على مذهب أبى حنيفة، ثم اشتغل بالمعاملات و الرياضات، ثم أقام آخر عمره بدمشق حتى مات بها و دفن بسفح قاسيون، و قد حكى عنه أشياء حسنة منها أنه قال اجتزت مرة في السياحة ببلدة فطالبتني نفسي بدخولها فآليت أن لا أستطعم منها بطعام، و دخلتها فمررت برجل غسال فنظر إلى شزرا فخفت منه و خرجت من البلد هاربا، فلحقني و معه طعام فقال: كل فقد خرجت من البلد، فقلت له و أنت في هذا المقام و تغسل الثياب في الأسواق؟ فقال: لا ترفع رأسك و لا تنظر إلى شيء من عملك، و كن عبدا للَّه فان استعملك في الحش فارض به، ثم قال (رحمه اللَّه).
و لو قيل لي مت قلت سمعا و طاعة* * * و قلت لداعي الموت أهلا و مرحبا
و قال اجتزت مرة في سياحتي براهب في صومعة فقال لي: يا مسلم ما أقرب الطرق عندكم إلى اللَّه عز و جل؟ قلت: مخالفة النفس، قال فرد رأسه إلى صومعته، فلما كنت بمكة زمن الحج إذا رجل يسلم على عند الكعبة فقلت من أنت؟ فقال أنا الراهب، قلت: بم وصلت إلى هاهنا؟ قال بالذي قلت. و في رواية عرضت الإسلام على نفسي فأبت، فعلمت أنه حق فأسلمت و خالفتها، فأفلح و أنجح. و قال بينا أنا ذات يوم بجبل لبنان إذا حرامية الفرنج فأخذونى فقيدوني و شدوا وثاقي فكنت عندهم في أضيق حال، فلما كان النهار شربوا و ناموا، فبينا أنا موثوق إذا حرامية المسلمين قد أقبلوا نحوهم فأنبهتهم فلجئوا إلى مغارة هنالك فسلموا من أولئك المسلمين، فقالوا: كيف فعلت هذا و قد كان خلاصك على أيديهم؟ فقلت إنكم أطعمتمونى فكان من حق الصحبة أن لا أغشكم، فعرضوا على شيئا من متاع الدنيا فأبيت و أطلقونى. و حكى السبط قال: زرته مرة ببيت المقدس و كنت قد أكلت سمكا مالحا، فلما جلست عنده أخذنى عطش جدا و إلى جانبه إبريق فيه ماء بارد فجعلت أستحيى منه، فمد يده إلى الإبريق و قد احمر وجهه و ناولني و قال خذ، كم تكاسر، فشربت. و ذكر أنه لما ارتحل من بيت المقدس كان سورها بعد قائما جديدا على عمارة الملك صلاح الدين قبل أن يخربه المعظم، فوقف لأصحابه يودعهم و نظر إلى السور، و قال: كأنى بالمعاول و هي تعمل في هذا السور عما قريب، فقيل له معاول المسلمين أو الفرنج؟ فقال بل معاول المسلمين، فكان كما قال. و قد ذكرت له أحوال كثيرة حسنة، و يقال إن أصله أرمنى و إنه أسلم على يدي الشيخ عبد اللَّه اليونينى، و قيل بل أصله رومي من قونية، و أنه قدم على الشيخ عبد اللَّه اليونينى و عليه برنس كبرانس الرهبان، فقال له أسلم فقال أسلمت لرب العالمين. و قد كانت أمه داية امرأة الخليفة، و قد جرت له كائنة غريبة فسلمه اللَّه بسبب ذلك، و عرفه الخليفة فأطلقه.