البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٨٤ - ثم دخلت سنة إحدى و خمسين و ستمائة
أبو الفتح نصر اللَّه بن هبة اللَّه
ابن عبد الباقي بن هبة اللَّه بن الحسين بن يحيى بن صاقعة الغفاريّ الكناني المصري ثم الدمشقيّ كان من أخصاء الملك المعظم، و ولده الناصر داود، و قد سافر معه إلى بغداد في سنة ثلاث و ثلاثين و ستمائة، و كان أديبا مليح المحاضرة (رحمه اللَّه تعالى). و من شعره قوله:
و لما أبيتم سادتي عن زيارتي* * * و عوضتموني بالبعاد عن القرب
و لم تسمحوا بالوصل في حال يقظتي* * * و لم يصطبر عنكم لرقته قلبي
نصبت لصيد الطيف جفني حبالة* * * فأدركت خفض العيش بالنوم و النصب
ثم دخلت سنة إحدى و خمسين و ستمائة
فيها دخل الشيخ نجم الدين البادرائي رسول الخليفة بين صاحب مصر و صاحب الشام، و أصلح بين الجيشين، و كانوا قد اشتد الحرب بينهم و نشبت، و قد مالأ الجيش المصري الفرنج و وعدهم أن يسلموا إليهم بيت المقدس إن نصروهم على الشاميين، و جرت خطوب كثيرة، فأصلح بينهم و خلص جماعة من بيوت الملوك من الديار المصرية، منهم أولاد الصالح إسماعيل، و بنت الأشرف و غيرهم من أولاد صاحب حمص و غيرهم، جزاه اللَّه خيرا. و فيها فيما ذكر ابن الساعي كان رجل ببغداد على رأسه زبادي قابسى فزلق فتكسرت و وقف يبكى، فتألم الناس له لفقره و حاجته، و أنه لم يكن يملك غيرها، فأعطاه رجل من الحاضرين دينارا، فلما أخذه نظر فيه طويلا ثم قال: و اللَّه هذا الدينار أعرفه، و قد ذهب منى في جملة دنانير عام أول، فشتمه بعض الحاضرين فقال له ذلك الرجل:
فما علامة ما قلت؟ قال زنة هذا كذا و كذا، و كان معه ثلاثة و عشرون دينارا، فوزنوه فوجدوه كما ذكر، فأخرج له الرجل ثلاثة و عشرين دينارا، و كان قد وجدها كما قال حين سقطت منه، فتعجب الناس لذلك. قال: و يقرب من هذا أن رجلا بمكة نزع ثيابه ليغتسل من ماء زمزم و أخرج من عضده دملجا زنته خمسون مثقالا فوضعه مع ثيابه، فلما فرغ من اغتساله لبس ثيابه و نسي الدملج و مضى، و صار إلى بغداد و بقي مدة سنتين بعد ذلك و أيس منه، و لم يبق معه شيء إلا يسير فاشترى به زجاجا و قوارير ليبيعها و يتكسب بها، فبينما هو يطوف بها إذ زلق فسقطت القوارير فتكسرت فوقف يبكى و اجتمع الناس عليه يتألمون له، فقال في جملة كلامه و اللَّه يا جماعة لقد ذهب منى من مدة سنتين دملج من ذهب زنته خمسون دينارا، ما باليت لفقده كما باليت لتكسير هذه القوارير، و ما ذاك إلا لأن هذه كانت جميع ما أملك، فقال له رجل من الجماعة: فأنا و اللَّه لقيت ذلك الدملج، و أخرجه من عضده فتعجب الناس و الحاضرون. و اللَّه أعلم بالصواب.