البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٧١ - و فيها توفى من الأعيان زيد بن الحسن
ثم دخلت سنة ثلاث عشرة و ستمائة
قال أبو شامة: فيها أحضرت الأوتاد الخشب الأربعة لأجل قبة النسر، طول كل واحد اثنان و ثلاثون ذراعا بالنجار. و فيها شرع في تجديد خندق باب السر المقابل لدار الطعم العتيقة إلى جانب بانياس. قلت: هي التي يقال لها اليوم اصطبل السلطان، و قد نقل السلطان بنفسه التراب و مماليكه تحمل بين يديه على قربوس السروج القفاف من التراب فيفرغونها في الميدان الأخضر، و كذلك أخوه الصالح و مماليكه يعمل هذا يوما و هذا يوما. و فيها وقعت فتنة بين أهل الشاغور و أهل العقيبة فاقتتلوا بالرحبة و الصيارف، فركب الجيش إليهم ملبسين و جاء المعظم بنفسه فمسك رءوسهم و حبسهم.
و فيها رتب بالمصلى خطيب مستقل، و أول من باشره الصدر معيد الفلكية، ثم خطب به بعد بهاء الدين بن أبى اليسر، ثم بنو حسان و إلى الآن.
و فيها توفى من الأعيان.
الملك الظاهر أبو منصور
غازى بن صلاح الدين يوسف بن أيوب، و كان من خيار الملوك و أسدهم سيرة، و لكن كان فيه عسف و يعاقب على الذنب اليسير كثيرا، و كان يكرم العلماء و الشعراء و الفقراء، أقام في الملك ثلاثين سنة و حضر كثيرا من الغزوات مع أبيه، و كان ذكيا له رأى جيد و عبارة سديدة و فطنة حسنة، بلغ أربعا و أربعين سنة، و جعل الملك من بعده لولده العزيز غياث الدين محمد، و كان حينئذ ابن ثلاث سنين، و كان له أولاد كبار و لكن ابنه هذا الصغير الّذي عهد إليه كان من بنت عمه العادل و أخواله الأشرف و المعظم و الكامل، و جده و أخواله لا ينازعونه، و لو عهد لغيره من أولاده لأخذوا الملك منه، و هكذا وقع سواء، بايع له جده العادل و أخواله، و هم المعظم بنقض ذلك و بأخذ الملك منه فلم يتفق له ذلك، و قام بتدبير ملكه الطواشى شهاب الدين طغربك الرومي الأبيض، و كان دينا عاقلا.
و فيها توفى من الأعيان زيد بن الحسن
ابن زيد بن الحسن بن سعيد بن عصمة الشيخ الامام وحيد عصره تاج الدين أبو اليمن الكندي، ولد ببغداد و نشأ بها و اشتغل و حصل، ثم قدم دمشق فأقام بها و فاق أهل زمانه شرقا و غربا في اللغة و النحو و غير ذلك من فنون العلم، و علو الاسناد و حسن الطريقة و السيرة و حسن العقيدة، و انتفع به علماء زمانه و أثنوا عليه و خضعوا له. و كان حنبليا ثم صار حنفيا. ولد في الخامس و العشرين من شعبان سنة عشرين و خمسمائة، فقرأ القرآن بالروايات و عمره عشر سنين، و سمع الكثير من الحديث العالي على الشيوخ الثقات، و عنى به و تعلم العربية و اللغة و اشتهر بذلك، ثم دخل الشام في سنة ثلاث و ستين و خمسمائة، ثم سكن مصر و اجتمع بالقاضي الفاضل، ثم انتقل إلى دمشق فسكن بدار