البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٧٢ - و فيها توفى من الأعيان زيد بن الحسن
العجم منها و حظي عند الملوك و الوزراء و الأمراء، و تردد إليه العلماء و الملوك و أبناؤهم، كان الأفضل ابن صلاح الدين و هو صاحب دمشق يتردد إليه إلى منزله، و كذلك أخوه المحسن و المعظم ملك دمشق، كان ينزل إليه إلى درب العجم يقرأ عليه في المفصل للزمخشري، و كان المعظم يعطى لمن حفظ المفصل ثلاثين دينارا جائزة، و كان يحضر مجلسه بدرب العجم جميع المصدرين بالجامع، كالشيخ علم الدين السخاوي و يحيى بن معطي الوجيه اللغوي، و الفخر التركي و غيرهم، و كان القاضي الفاضل يثنى عليه. قال السخاوي: كان عنده من العلوم ما لا يوجد عند غيره. و من العجب أن سيبويه قد شرح عليه كتابه و كان اسمه عمرو، و اسمه زيد. فقلت في ذلك:
لم يكن في عهد عمرو مثله* * * و كذا الكندي في آخر عصر
فهما زيد و عمرو إنما* * * بنى النحو على زيد و عمرو
قال أبو شامة: و هذا كما قال فيه ابن الدهان المذكور في سنة ثنتين و تسعين و خمسمائة:
يا زيد زادك ربى من مواهبه* * * نعما يقصر عن إدراكها الأمل
النحو أنت أحق العالمين به* * * أ ليس باسمك فيه يضرب المثل
و قد مدحه السخاوي بقصيدة حسنة، و أثنى عليه أبو المظفر سبط ابن الجوزي، فقال قرأت عليه و كان حسن العقيدة ظريف الخلق لا يسأم الإنسان من مجالسته، و له النوادر العجيبة و الخط المليح و الشعر الرائق، و له ديوان شعر كبير، و كانت وفاته يوم الاثنين سادس شوال منها و له ثلاث و تسعون سنة و شهر و سبعة عشر يوما، و صلى عليه بجامع دمشق ثم حمل إلى الصالحية فدفن بها، و كان قد وقف كتبه- و كانت نفيسة- و هي سبعمائة و إحدى و ستون مجلدا، على معتقه نجيب الدين ياقوت، ثم على العلماء في الحديث و الفقه و اللغة و غير ذلك، و جعلت في خزانة كبيرة في مقصورة ابن سنان الحلبية المجاورة لمشهد على بن زين العابدين، ثم إن هذه الكتب تفرقت و بيع كثير منها و لم يبق بالخزانة المشار إليها إلا القليل الرث، و هي بمقصورة الحلبية، و كانت قديما يقال لها مقصورة ابن سنان، و قد ترك نعمة وافرة و أموالا جزيلة، و مماليك متعددة من الترك الحسان، و قد كان رقيق الحاشية حسن الأخلاق يعامل الطلبة معاملة حسنة من القيام و التعظيم، فلما كبر ترك القيام لهم و أنشأ يقول:
تركت قيامي للصديق يزورني* * * و لا ذنب لي إلا الاطالة في عمري
فان بلغوا من عشر تسعين نصفها* * * تبين في ترك القيام لهم عذرى
و مما مدح فيه الملك المظفر شاهنشاه ما ذكره ابن الساعي في تاريخه:
وصال الغواني كان أورى و أرجا* * * و عصر التداني كان أبهى و أبهجا