البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٣٥ - و ممن توفى فيها من الأعيان
ثم دخلت سنة ثلاثين و ستمائة
فيها باشر خطابة بغداد و نقابة العباسيين العدل مجد الدين أبو القاسم هبة اللَّه بن المنصوري، و خلع عليه خلعة سنية، و كان فاضلا قد صحب الفقراء و الصوفية و تزهد برهة من الزمان، فلما دعي إلى هذا الأمر أجاب سريعا و أقبلت عليه الدنيا بزهرتها، و خدمه الغلمان الأتراك، و لبس لباس المترفين و قد عاتبه بعض تلامذته بقصيدة طويلة، و عنفه على ما صار إليه، و سردها ابن الساعي بطولها في تاريخه. و فيها سار القاضي محيي الدين يوسف بن الشيخ جمال الدين أبى الفرج في الرسلية من الخليفة إلى الكامل صاحب مصر، و معه كتاب هائل فيه تقليده الملك، و فيه أوامر كثيرة مليحة من إنشاء الوزير نصر الدين أحمد بن الناقد، سرده ابن الساعي أيضا بكماله. و قد كان الكامل مخيما بظاهر آمد من أعمال الجزيرة، قد افتتحها بعد حصار طويل و هو مسرور بما نال من ملكها. و فيها فتحت دار الضيافة ببغداد للحجيج حين قدموا من حجهم، و أجريت عليهم النفقات و الكساوى و الصلات و فيها سارت العساكر المستنصرية صحبة الأمير سيف الدين أبى الفضائل إقبال الخاص المستنصري إلى مدينة إربل و أعمالها، و ذلك لمرض مالكها مظفر الدين كوكبرى بن زين الدين، و أنه ليس له من بعده من يملك البلاد، فحين وصلها الجيش منعه أهل البلد فحاصروه حتى افتتحوه عنوة في السابع عشر من شوال في هذه السنة، و جاءت البشائر بذلك فضربت الطبول ببغداد بسبب ذلك، و فرح أهلها، و كتب التقليد عليها لاقبال المذكور، فرتب فيها المناصب و سار فيها سيرة جيدة، و امتدح الشعراء هذا الفتح من حيث هو، و كذلك مدحوا فاتحها إقبال، و من أحسن ما قال بعضهم في ذلك
يا يوم سابع عشر شوال الّذي* * * رزق السعادة أولا و أخيرا
هنيت فيه بفتح إربل مثلما* * * هنيت فيه و قد جلست وزيرا
يعنى أن الوزير نصير الدين بن العلقميّ، قد كان وزر في مثل هذا اليوم من العام الماضي، و في مستهل رمضان من هذه السنة شرع في عمارة دار الحديث الأشرفية بدمشق، و كانت قبل ذلك دارا للأمير قايماز و بها حمام فهدمت و بنيت عوضها. و قد ذكر السبط في هذه السنة أن في ليلة النصف من شعبان فتحت دار الحديث الأشرفية المجاورة لقلعة دمشق، و أملى بها الشيخ تقى الدين بن الصلاح الحديث، و وقف عليها الأشرف الأوقاف، و جعل بها نعل النبي (صلى اللَّه عليه و سلم). قال و سمع الأشرف صحيح البخاري في هذه السنة على الزبيدي، قلت: و كذا سمعوا عليه بالدار و بالصالحية. قال: و فيها فتح الكامل آمد و حصن كيفا و وجد عند صاحبها خمسمائة حرة للفراش فعذبه الأشرف عذابا أليما.
و فيها قصد صاحب ماردين و جيش بلاد الروم الجزيرة فقتلوا و سبوا و فعلوا ما لم يفعله التتار بالمسلمين.
و ممن توفى فيها من الأعيان
في هذه السنة من المشاهير.