البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٥٩ - الشيخ أبو عمر
الشيخ الصالح أبو عمر المقدسي، باني المدرسة التي بالسفح يقرأ بها القرآن العزيز، و هو أخو الشيخ موفق الدين عبد اللَّه بن أحمد بن محمد بن قدامة، و كان أبو عمر أسن منه، لأنه ولد سنة ثمان و عشرين و خمسمائة بقرية الساويا، و قيل بجماعيل، و الشيخ أبو عمر ربى الشيخ موفق الدين و أحسن إليه و زوجه، و كان يقوم بمصالحه، فلما قدموا من الأرض المقدسة نزلوا بمسجد أبى صالح خارج باب شرقى ثم انتقلوا منه إلى السفح، و ليس به من العمارة شيء سوى دير الحوراني، قال فقيل لنا الصالحيين نسبة إلى مسجد أبى صالح لا أنا صالحون، و سميت هذه البقعة من ذلك الحين بالصالحية نسبة إلينا، فقرأ الشيخ أبو عمر القرآن على رواية أبى عمر، و حفظ مختصر الخرقى في الفقه، ثم إن أخاه الموفق شرحه فيما بعد فكتب شرحه بيده، و كتب تفسير البغوي و الحلية لأبى نعيم و الابانة لابن بطة، و كتب مصاحف كثيرة بيده للناس و لأهله بلا أجرة، و كان كثير العبادة و الزهادة و التهجد، و يصوم الدهر و كان لا يزال متبسما، و كان يقرأ كل يوم سبعا بين الظهر و العصر و يصلى الضحى ثماني ركعات يقرأ فيهن ألف مرة قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، و كان يزور مغارة الدم في كل يوم اثنين و خميس، و يجمع في طريقه الشيخ فيعطيه الأرامل و المساكين، و مهما تهيأ له من فتوح و غيره يؤثر به أهله و المساكين، و كان متقللا في الملبس و ربما مضت عليه مدة لا يلبس فيها سراويل و لا قميصا، و كان يقطع من عمامته قطعا يتصدق بها أو في تكميل كفن ميت، و كان هو و أخوه و ابن خالهم الحافظ عبد الغنى و أخوه الشيخ العماد لا ينقطعون عن غزاة يخرج فيها الملك صلاح الدين إلى بلاد الفرنج، و قد حضروا معه فتح القدس و السواحل و غيرها، و جاء الملك العادل يوما إلى ختمهم أي خصهم لزيارة أبى عمر و هو قائم يصلى، فما قطع صلاته و لا أوجز فيها، فجلس السلطان و استمر أبو عمر في صلاته و لم يلتفت إليه حتى قضى صلاته (رحمه اللَّه). و الشيخ أبو عمر هو الّذي شرع في بناء المسجد الجامع أولا بمال رجل فامي، فنفد ما عنده و قد ارتفع البناء قامة فبعث صاحب إربل الملك المظفر كوكرى مالا فكمل به، و ولى خطابته الشيخ أبو عمر، فكان يخطب به و عليه لباسه الضعيف و عليه أنوار الخشية و التقوى و الخوف من اللَّه عز و جل، و المسك كيف خبأته ظهر عليك و بان، و كان المنبر الّذي فيه يومئذ ثلاث مراقى و الرابعة للجلوس، كما كان المنبر النبوي، و قد حكى أبو المظفر أنه حضر يوما عنده الجمعة و كان الشيخ عبد اللَّه البوتاني حاضرا الجمعة أيضا عنده، فلما انتهى في خطبته إلى الدعاء للسلطان قال: اللَّهمّ أصلح عبدك الملك العادل سيف الدين أبا بكر بن أيوب، فلما قال ذلك نهض الشيخ عبد اللَّه البوتاني و أخذ نعليه و خرج من الجامع و ترك صلاة الجمعة، فلما فرغنا ذهبت إلى البوتاني فقلت له: ما ذا نقمت عليه في قوله؟ فقال يقول لهذا الظالم العادل؟ لا صليت معه، قال فبينما نحن في الحديث إذ أقبل الشيخ أبو عمر و معه رغيف و خيارتان فكسر ذلك الرغيف و قال الصلاة، ثم
قال قال النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)