البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٩٥ - ثم دخلت سنة ثمان عشرة و ستمائة
بغداد و استخدم الأجناد، و قنت الناس في الصلوات و الأوراد. و فيها قهروا الكرج و اللان، ثم قاتلوا القبجاق فكسروهم، و كذلك الروس، و ينهبون ما قدروا عليه، ثم قاتلوهم و سبوا نساءهم و ذراريهم، و فيها سار المعظم إلى أخيه الأشرف فاستعطفه على أخيه الكامل، و كان في نفسه موجدة عليه فأزالها و سارا جميعا نحو الديار المصرية لمعاونة الكامل على الفرنج الذين قد أخذوا ثغر دمياط و استحكم أمرهم هنالك من سنة أربع عشرة، و عرض عليهم في بعض الأوقات أن يرد إليهم بيت المقدس و جميع ما كان صلاح الدين فتحه من بلاد الساحل و يتركوا دمياط، فامتنعوا من ذلك و لم يفعلوا، فقدر اللَّه تعالى أنهم ضاقت عليهم الأقوات فقدم عليهم مراكب فيها ميرة لهم فأخذها الأسطول البحري و أرسلت المياه على أراضى دمياط من كل ناحية فلم يمكنهم بعد ذلك أن يتصرفوا في نفسهم، و حصرهم المسلمون من الجهة الأخرى حتى اضطروهم إلى أضيق الأماكن، فعند ذلك أنابوا إلى المصالحة بلا معاوضة، فجاء مقدموهم إليه و عنده أخواه المعظم عيسى و موسى الأشرف، و كانا قائمين بين يديه، و كان يوما مشهودا، فوقع الصلح على ما أراد الكامل محمد بيض اللَّه وجهه، و ملوك الفرنج و العساكر كلها واقفة بين يديه، و مد سماطا عظيما، فاجتمع عليه المؤمن و الكافر و البر و الفاجر، و قام راجح الحلي الشاعر فأنشد:
هنيئا فان السعد راح مخلدا* * * و قد أنجز الرحمن بالنصر موعدا
حبانا إله الخلق فتحا بدا لنا* * * مبينا و إنعاما و عزا مؤبدا
تهلل وجه الدهر بعد قطوبه* * * و أصبح وجه الشرك بالظلم أسودا
و لما طغى البحر الخضم بأهله* * * الطغاة و أضحى بالمراكب مزبدا
أقام لهذا الدين من سل عزمه* * * صقيلا كما سل الحسام مجردا
فلم ينج إلا كل شلو مجدل* * * ثوى منهم أو من تراه مقيدا
و نادى لسان الكون في الأرض رافعا* * * عقيرته في الخافقين و منشدا
أ عبّاد عيسى إن عيسى و حزبه* * * و موسى جميعا يخدمون محمدا
قال أبو شامة: و بلغني أنه أشار عند ذلك إلى المعظم عيسى و الأشرف موسى و الكامل محمد، قال: و هذا من أحسن شيء اتفق، و كان ذلك يوم الأربعاء التاسع عشر رجب من هذه السنة، و تراجعت الفرنج إلى عكا و غيرها، و رجع المعظم إلى الشام و اصطلح الأشرف و الكامل على أخيهما المعظم.
و فيها ولى الملك المعظم قضاء دمشق كمال الدين المصري الّذي كان وكيل بيت المال بها، و كان فاضلا بارعا يجلس في كل يوم جمعة قبل الصلاة بالعادلية بعد فراغها لإثبات المحاضر، و يحضر عنده في المدرسة جميع الشهود من كل المراكز حتى يتيسر على الناس إثبات كتبهم في الساعة الواحدة، جزاه اللَّه خيرا.