البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٧٧ - القاضي جمال الدين ابن الحرستانيّ
حصن الطور حصارا هائلا و مانع عنه الذين به من الأبطال ممانعة هائلة، ثم كر الفرنج راجعين إلى عكا و معهم الأسارى من المسلمين، و جاء الملك المعظم إلى الطور فخلع على الأمراء الذين به و طيب نفوسهم، ثم اتفق هو و أبوه على هدمه كما سيأتي.
و فيها توفى من الأعيان.
الشيخ الامام العلامة الشيخ العماد
أخو الحافظ عبد الغنى، أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الواحد بن على بن سرور المقدسي، الشيخ العمادي أصغر من أخيه الحافظ عبد الغنى بسنتين، و قدم مع الجماعة إلى دمشق سنة إحدى و خمسين و خمسمائة، و دخل بغداد مرتين و سمع الحديث و كان عابدا زاهدا ورعا كثير الصيام، يصوم يوما و يفطر يوما، و كان فقيها مفتيا، و له كتاب الفروع و صنف أحكاما و لم يتمه، و كان يؤم بمحراب الحنابلة مع الشيخ الموفق، و إنما كانوا يصلون بغير محراب، ثم وضع المحراب في سنة سبع عشرة و ستمائة، و كان أيضا يؤم بالناس لقضاء الفوائت، و هو أول من فعل ذلك. صلى المغرب ذات ليلة و كان صائما ثم رجع إلى منزله بدمشق فأفطر ثم مات فجأة، فصلى عليه بالجامع الأموي، صلى عليه الشيخ الموفق عند مصلاهم، ثم صعدوا به إلى السفح، و كان يوم موته يوما مشهودا من كثرة الناس. قال سبط ابن الجوزي كان الخلق من الكهف إلى مغارة الدم إلى المنطور لو بذر السمسم ما وقع إلا على رءوس الناس، قال فلما رجعت تلك الليلة فكرت فيه و في جنازته و كثرة من شهدها و قلت: هذا كان رجلا صالحا و لعله أن يكون نظر إلى ربه حين وضع في قبره، و مر بذهنى أبيات الثوري التي أنشدها بعد موته في المنام:
نظرت إلى ربى كفاحا فقال لي* * * هنيئا رضائي عنك يا ابن سعيد
لقد كنت قواما إذا أظلم الدجى* * * بعبرة مشتاق و قلب عميد
فدونك فاختر أي قصر أردته* * * و زرني فانى عنك غير بعيد
ثم قلت أرجو أن يكون العماد رأى ربه كما رآه الثوري، فنمت فرأيت الشيخ العماد في المنام و عليه حلة خضراء و عمامة خضراء، و هو في مكان متسع كأنه روضة، و هو يرقى في درج متسعة، فقلت يا عماد الدين كيف بت فانى و اللَّه مفكر فيك؟ فنظر إلى و تبسم على عادته التي كنت أعرفه فيها في الدنيا ثم قال:
رأيت إلهي حين أنزلت حفرتي* * * و فارقت أصحابى و أهلي و جيرتي
و قال جزيت الخير عنى فاننى* * * رضيت فها عفوي لديك و رحمتي
دأبت زمانا تأمل العفو و الرضا* * * فوقيت نيراني و لقيت جنتي
قال فانتبهت و أنا مذعور و كتبت الأبيات و اللَّه أعلم.
القاضي جمال الدين ابن الحرستانيّ
عبد الصمد بن محمد بن أبى الفضل أبو القاسم الأنصاري ابن الحرستانيّ قاضى القضاة بدمشق