البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٧٩ - ثم دخلت سنة خمس عشرة و ستمائة
دمياط و أخذوا برج السلسلة في جمادى الاولى، و كان حصنا منيعا، و هو قفل بلاد مصر. و فيها التقى المعظم و الفرنج على القيمون فكسرهم و قتل منه خلقا و أسر من الداوية مائة فأدخلهم إلى القدس منكسة أعلامهم. و فيها جرت خطوب كثيرة ببلد الموصل بسبب موت ملوكها أولاد قرا أرسلان واحدا بعد واحد، و تغلب مملوك أبيهم بدر الدين لؤلؤ على الأمور و اللَّه أعلم. و فيها أقبل ملك الروم كيكاريس سنجر يريد أخذ مملكة حلب، و ساعده على ذلك الأفضل بن صلاح الدين صاحب سميساط، فصده عن ذلك الملك الأشرف موسى بن العادل و قهر ملك الروم و كسر جيشه و رده خائبا. و فيها تملك الأشرف مدينة سنجار مضافا إلى ما بيده من الممالك.
و فيها توفى السلطان الملك العادل أبو بكر بن أيوب، فأخذت الفرنج دمياط ثم ركبوا و قصدوا بلاد مصر من ثغر دمياط فحاصروه مدة أربعة شهور، و الملك الكامل يقاتلهم و يمانعهم، فتملكوا برج السلسلة و هو كالقفل على ديار مصر، و صفته في وسط جزيرة في النيل عند انتهائه إلى البحر، و منه إلى دمياط، و هو على شاطئ البحر و حافة سلسلة منه إلى الجانب الآخر، و عليه الجسر و سلسلة أخرى لتمنع دخول المراكب من البحر إلى النيل، فلا يمكن الدخول، فلما ملكت الفرنج هذا البرج شق ذلك على المسلمين، و حين وصل الخبر إلى الملك العادل و هو بمرج الصفر تأوه لذلك تأوها شديدا و دق بيده على صدره أسفا و حزنا على المسلمين و بلادها، و مرض من ساعته مرض الموت لأمر يريده اللَّه عز و جل، فلما كان يوم الجمعة سابع جمادى الآخرة توفى بقرية غالقين، فجاءه ولده المعظم مسرعا فجمع حواصله و أرسله في محفة و معه خادم بصفة أن السلطان مريض، و كلما جاء أحد من الأمراء ليسلم عليه بلغهم الطواشى عنه، أي أنه ضعيف، عن الرد عليهم، فلما انتهى به إلى القلعة دفن بها مدة ثم حول إلى تربته بالعادلية الكبيرة، و قد كان الملك سيف الدين أبو بكر بن أيوب بن شادى من خيار الملوك و أجودهم سيرة، دينا عاقلا صبورا وقورا، أبطل المحرمات و الخمور و المعارف من مملكته كلها و قد كانت ممتدة من أقصى بلاد مصر و اليمن و الشام و الجزيرة إلى همدان كلها، أخذها بعد أخيه صلاح الدين سوى حلب فإنه أقرها بيد ابن أخيه الظاهر غازى لأنه زوج ابنته صفية الست خاتون. و كان العادل حليما صفوحا صبورا على الأذى كثير الجهاد بنفسه و مع أخيه حضر معه مواقفه كلها أو أكثرها في مقاتلة الفرنج، و كانت له في ذلك اليد البيضاء، و كان ماسك اليد و قد أنفق في عام الغلاء بمصر أموالا كثيرة على الفقراء و تصدق على أهل الحاجة من أبناء الناس و غيرهم شيئا كثيرا جدا، ثم إنه كفن في العام الثاني من بعد عام الغلاء في الفناء مائة ألف إنسان من الغرباء و الفقراء، و كان كثير الصدقة في أيام مرضه حتى كان يخلع جميع ما عليه و يتصدق به و بمركوبه، و كان كثير الاكل ممتعا بصحة و عافية مع كثرة صيامه، كان يأكل في اليوم الواحد أكلات جيدة، ثم بعد