البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٦١ - ثم دخلت سنة سبعين و ستمائة من الهجرة
ابن سبعين: عبد الحق بن إبراهيم بن محمد
ابن نصر بن محمد بن نصر بن محمد بن قطب الدين أبو محمد المقدسي الرقوطى، نسبة إلى رقوطة بلدة قريبة من مرسية، ولد سنة أربع عشرة و ستمائة، و اشتغل بعلم الأوائل و الفلسفة، فتولد له من ذلك نوع من الإلحاد، و صنف فيه، و كان يعرف السيميا، و كان يلبس بذلك على الأغبياء من الأمراء و الأغنياء، و يزعم أنه حال من أحوال القوم، و له من المصنفات كتاب البدو، و كتاب ألهو، و قد أقام بمكة و استحوذ على عقل صاحبها ابن سمى، و جاور في بعض الأوقات بغار حراء يرتجى فيما ينقل عنه أن يأتيه فيه وحي كما أتى النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)، بناء على ما يعتقده من العقيدة الفاسدة من أن النبوة مكتسبة، و أنها فيض يفيض على العقل إذا صفا، فما حصل له إلا الخزي في الدنيا و الآخرة، إن كان مات على ذلك، و قد كان إذا رأى الطائفين حول البيت يقول عنهم: كأنهم الحمير حول المدار، و أنهم لو طافوا به كان أفضل من طوافهم بالبيت، فاللَّه يحكم فيه و في أمثاله. و قد نقلت عنه عظائم من الأقوال و الأفعال، توفى في الثامن و العشرين من شوال بمكة.
ثم دخلت سنة سبعين و ستمائة من الهجرة
استهلت و خليفة الوقت الحاكم بأمر اللَّه أبو العباس أحمد العباسي، و سلطان الإسلام الملك الظاهر. و في يوم الأحد الرابع عشر من المحرم ركب السلطان إلى البحر لالتقاء الشواني التي عملت عوضا عما غرق بجزيرة قبرص، و هي أربعون شينيا، فركب في شيني منها و معه الأمير بدر الدين، فمالت بهم فسقط الخزندار في البحر فغاص في الماء فألقى إنسان نفسه وراءه فأخذ بشعره و أنقذه من الغرق، فخلع السلطان على ذلك الرجل و أحسن إليه. و في أواخر المحرم ركب السلطان في نفر يسير من الخاصكية، و الأمراء من الديار المصرية حتى قدم الكرك، و استصحب نائبها معه إلى دمشق، فدخلها في ثانى عشر صفر، و معه الأمير عز الدين أيدمر نائب الكرك، فولاه نيابة دمشق و عزل عنها جمال الدين آقوش النجيبى في رابع عشر صفر، ثم خرج إلى حماة و عاد بعد عشرة أيام. و في ربيع الأول وصلت الجفال من حلب و حماة و حمص إلى دمشق بسبب الخوف من التتار، و جفل خلق كثير من أهل دمشق. و في ربيع الآخر وصلت العساكر المصرية إلى حضرة السلطان إلى دمشق فسار بهم منها في سابع الشهر، فاجتاز بحماة و استصحب ملكها المنصور، ثم سار إلى حلب فخيم بالميدان الأخضر بها، و كان سبب ذلك أن عساكر الروم جمعوا نحوا من عشرة آلاف فارس و بعثوا طائفة منهم فأغاروا على عين تاب، و وصلوا إلى نسطون و وقعوا على طائفة من التركمان بين حارم و أنطاكية فاستأصلوهم فلما سمع التتار بوصول السلطان و معه العساكر المنصورة ارتدوا على أعقابهم راجعين، و كان بلغه أن الفرنج أغاروا على بلاد قاقون [١] و نهبوا طائفة من التركمان، فقبض على الأمراء الذين هناك حيث لم يهتموا بحفظ البلاد و عادوا إلى الديار المصرية.
[١] حصن بفلسطين، قرب الرملة.