البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٢٦ - أبو الفضل جبرائيل بن منصور
و ممن توفى فيها أبو الفتوح نصر بن على البغدادي
الفقيه الشافعيّ و يلقب بثعلب، اشتغل في المذهب و الخلاف و من شعره قوله:
جسمي معى غير أن الروح عندكم* * * فالجسم في غربة و الروح في وطن
فليعجب الناس منى أن لي بدنا* * * لا روح فيه و لي روح بلا بدن
أبو الفضل جبرائيل بن منصور
ابن هبة اللَّه بن جبريل بن الحسن بن غالب بن يحيى بن موسى بن يحيى بن الحسن بن غالب بن الحسن بن عمرو بن الحسن بن النعمان بن المنذر المعروف بابن زطينا البغدادي كاتب الديوان بها، أسلم- و كان نصرانيا- فحسن إسلامه، و كان من أفصح الناس و أبلغهم موعظة، و من ذلك قوله «خير أوقاتك ساعة صفت للَّه، و خلصت من الفكرة لغيره و الرجاء لسواه، و ما دمت في خدمة السلطان فلا تغتر بالزمان، اكفف كفك و اصرف طرفك و أكثر صومك و أقلل نومك يؤمنك، و اشكر ربك يحمد أمرك.
و قال: زاد المسافر يقدم على رحيله، فأعد الزاد تبلغ بالمعاد المراد و قال: إلى متى تتمادى في الغفلة كأنك قد أمنت عواقب المهلة، عمر اللهو مضى و عمر الشبيبة انقضى، و ما حصلت من ربك على ثقة بالرضا، و قد انتهى بك الأمر إلى سن التخاذل و زمن التكاسل، و ما حظيت بطائل. و قال:
روحك تخضع و عينك لا تدمع، و قلبك يخشع و نفسك تجشع، و تظلم نفسك و أنت لها تتوجع، و تظهر الزهد في الدنيا و في الحال تطمع، و تطلب ما ليس لك بحق و ما وجب عليك من الحق لا تدفع، و تروم فضل ربك و للماعون تمنع، و تعيب نفسك الامارة و هي عن اللهو لا ترجع، و توقظ الغافلين بانذارك و تتناوم عن سهمك و تهجع، و تخص غيرك بخيرك و نفسك الفقيرة لا تنفع، و تحوم على الحق و أنت بالباطل مولع، و تتعثر في المضايق و طرق النجاة مهيع، و تتهجم على الذنوب و في المجرمين تشفع و تظهر القناعة بالقليل و بالكثير لا تشبع، و تعمر الدار الفانية و دارك الباقية خراب بلقع، و تستوطن في منزل رحيل كأنك إلى ربك لا ترجع، و تظن أنك بلا رقيب و أعمالك إلى المراقب ترفع، تقدم على الكبائر و عن الصغائر تتورع، و تؤمل الغفران و أنت عن الذنوب لا تقلع، و ترى الأهوال محيطة بك و أنت في ميدان اللهو ترتع، و تستقبح أفعال الجهال و باب الجهل تقرع، و قد آن لك أن تأنف من التعنيف و عن الدنايا تترفع، و قد سار المخفون و تخلفت فما ذا تتوقع».
و قد أورد ابن الساعي له شعرا حسنا فمنه:
إن سهرت عيناك في طاعة* * * فذاك خير لك من نوم
أمسك قد فات بعلاته* * * فاستدرك الفائت في اليوم
و له
إن ربا هداك بعد ضلال* * * سبل الرشد مستحق للعبادة