البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٢٠ - وقعت عين جالوت
وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ. و هذا كان في أول هذه السنة و سلطان الشام الناصر بن العزيز و هو مقيم في وطأة برزة، و معه جيوش كثيرة من الأمراء و أبناء الملوك ليناجزوا التتار إن قدموا عليهم، و كان في جملة من معه الأمير بيبرس البندقداري في جماعة من البحرية، و لكن الكلمة بين الجيوش مختلفة غير مؤتلفة، لما يريده اللَّه عز و جل. و قد عزمت طائفة من الأمراء على خلع الناصر و سجنه و مبايعة أخيه شقيقه الملك الظاهر على، فلما عرف الناصر ذلك هرب إلى القلعة و تفرقت العساكر شذر مذر و ساق الأمير ركن الدين بيبرس في أصحابه إلى ناحية غزة، فاستدعاه الملك المظفر قطز إليه و استقدمه عليه، و أقطعه قليوب، و أنزله بدار الوزارة و عظم شأنه لديه، و إنما كان حتفه على يديه.
وقعت عين جالوت
اتفق وقوع هذا كله في العشر الأخير من رمضان من هذه السنة، فما مضت سوى ثلاثة أيام حتى جاءت البشارة بنصرة المسلمين على التتار بعين جالوت، و ذلك أن الملك المظفر قطز صاحب مصر لما بلغه أن التتار قد فعلوا بالشام ما ذكرنا، و قد نهبوا البلاد كلها حتى وصلوا إلى غزة، و قد عزموا على الدخول إلى مصر، و قد عزم الملك الناصر صاحب دمشق على الرحيل إلى مصر، و ليته فعل، و كان في صحبته الملك المنصور صاحب حماه و خلق من الأمراء و أبناء الملوك، و قد وصل إلى قطية و أكرم الملك المظفر قطز صاحب حماه و وعده ببلده و وفاه له، و لم يدخل الملك الناصر مصر بل كر راجعا إلى ناحية تيه بنى إسرائيل، و دخل عامة من كان معه إلى مصر، و لو دخل كان أيسر عليه مما صار إليه، و لكنه خاف منهم لأجل العداوة فعدل إلى ناحية الكرك فتحصن بها و ليته استمر فيها، و لكنه قلق فركب نحو البرية- و ليته ذهب فيها- و استجار ببعض أمراء الأعراب، فقصدته التتار و أتلفوا ما هنالك من الأموال و خربوا الديار و قتلوا الكبار و الصغار و هجموا على الأعراب التي بتلك النواحي فقتلوا منهم خلقا و سبوا من نسلهم و نسائهم، و قد اقتص منهم العرب بعد ذلك، فأغاروا على خيل جشارهم في نصف شعبان فساقوها بأسرها، فساقت وراءهم التتار فلم يدركوا لهم الغبار و لا استردوا منهم فرسا و لا حمارا، و ما زال التتار وراء الناصر حتى أخذوه عند بركة زيزى و أرسلوه مع ولده العزيز و هو صغير و أخيه إلى ملكهم هولاكوخان و هو نازل على حلب، فما زالوا في أسره حتى قتلهم في السنة الآتية كما سنذكره. و المقصود أن المظفر قطز لما بلغه ما كان من أمر التتار بالشام المحروسة و أنهم عازمون على الدخول إلى ديار مصر بعد تمهيد ملكهم بالشام، بادرهم قبل أن يبادروه و برز إليهم و أقدم عليهم قبل أن يقدموا عليه، فخرج في عساكره و قد اجتمعت الكلمة عليه، حتى انتهى إلى الشام و استيقظ له عسكر المغول و عليهم كتبغانوين، و كان إذ ذاك في البقاع فاستشار الأشرف صاحب حمص و المجير ابن الزكي، فأشاروا عليه بأنه لا قبل له بالمظفر حتى يستمد هولاكو