البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٢١ - وقعت عين جالوت
فأبى إلا أن يناجزه سريعا، فساروا إليه و سار المظفر إليهم، فكان اجتماعهم على عين جالوت يوم الجمعة الخامس و العشرين من رمضان، فاقتتلوا قتالا عظيما، فكانت النصرة و للَّه الحمد للإسلام و أهله، فهزمهم المسلمون هزيمة هائلة و قتل أمير المغول كتبغانوين و جماعة من بيته، و قد قيل إن الّذي قتل كتبغانوين الأمير جمال الدين آقوش الشمسى، و اتبعهم الجيش الإسلامي يقتلونهم في كل موضع، و قد قاتل الملك المنصور صاحب حماه مع الملك المظفر قتالا شديدا، و كذلك الأمير فارس الدين أقطاى المستعرب، و كان أتابك العسكر، و قد أسر من جماعة كتبغانوين الملك السعيد بن العزيز بن العادل فأمر المظفر بضرب عنقه، و استأمن الأشرف صاحب حمص، و كان مع التتار، و قد جعله هولاكوخان نائبا على الشام كله، فأمنه الملك المظفر و رد إليه حمص، و كذلك رد حماه إلى المنصور و زاده المعرة و غيرها، و أطلق سلمية للأمير شرف الدين عيسى بن مهنا بن مانع أمير العرب، و اتبع الأمير بيبرس البندقداري و جماعة من الشجعان التتار يقتلونهم في كل مكان، إلى أن وصلوا خلفهم إلى حلب، و هرب من بدمشق منهم يوم الأحد السابع و العشرين من رمضان، فتبعهم المسلمون من دمشق يقتلون فيهم و يستفكون الأسارى من أيديهم، و جاءت بذلك البشارة و للَّه الحمد على جبره إياهم بلطفه فجاوبتها دق البشائر من القلعة و فرح المؤمنون بنصر اللَّه فرحا شديدا، و أيد اللَّه الإسلام و أهله تأييدا و كبت اللَّه النصارى و اليهود و المنافقين و ظهر دين اللَّه و هم كارهون، فتبادر عند ذلك المسلمون إلى كنيسة النصارى التي خرج منها الصليب فانتهبوا ما فيها و أحرقوها و ألقوا النار فيما حولها فاحترق دور كثيرة إلى النصارى، و ملأ اللَّه بيوتهم و قبورهم نارا، و أحرق بعض كنيسة اليعاقبة، و همت طائفة بنهب اليهود، فقيل لهم إنه لم يكن منهم من الطغيان كما كان من عبدة الصلبان، و قتلت العامة وسط الجامع شيخا رافضيا كان مصانعا للتتار على أموال الناس يقال له الفخر محمد بن يوسف بن محمد الكنجي، كان خبيث الطوية مشرقيا ممالئا لهم على أموال المسلمين قبحه اللَّه، و قتلوا جماعة مثله من المنافقين فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ، و قد كان هولاكو أرسل تقليدا بولاية القضاء على جميع المدائن: الشام، و الجزيرة، و الموصل، و ماردين، و الأكراد و غير ذلك، للقاضي كمال الدين عمر بن بدار التفليسي. و قد كان نائب الحكم بدمشق عن القاضي صدر الدين أحمد بن يحيى بن هبة اللَّه ابن سنى الدولة من مدة خمس عشرة سنة، فحين وصل التقليد في سادس عشرين ربيع الأول قرئ بالميدان الأخضر فاستقل بالحكم في دمشق و قد كان فاضلا، فسار القاضيان المعزولان صدر الدين بن سنى الدولة و محيي الدين بن الزكي إلى خدمة هولاكوخان إلى حلب، فخدع ابن الزكي لابن سنى الدولة و بذل أموالا جزيلة، و تولى القضاء بدمشق و رجعا، فمات ابن سنى الدولة ببعلبكّ، و قدم ابن الزكي على القضاء و معه تقليده و خلعة مذهبة فلبسها و جلس في خدمة إبل سنان تحت قبة النسر عند الباب