البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٦٦ - ثم دخلت سنة ثلاث و أربعين و ستمائة
ابن الخليفة المهتدي باللَّه العباسي، كان من سادات العباسيين و أئمة المسلمين، و خطباء المؤمنين، استمرت أحواله على السداد و الصلاح، لم ينقطع قط عن الخطابة و لم يمرض قط حتى كانت ليلة السبت الثامن و العشرين من هذه السنة، قام في أثناء الليل لبعض حاجاته فسقط على أم رأسه، فسقط من فمه دم كثير و سكت فلم ينطق كلمة واحدة يومه ذلك إلى الليل، فمات و كانت له جنازة حافلة (رحمه اللَّه تعالى) و عفا عنه بمنه و كرمه.
ثم دخلت سنة ثلاث و أربعين و ستمائة
و هي سنة الخوارزمية، و ذلك أن الصالح أيوب بن الكامل صاحب مصر بعث الخوارزمية و معهم ملكهم بركات خان في صحبة معين الدين ابن الشيخ، فأحاطوا بدمشق يحاصرون عمه الصالح أبا الجيش صاحب دمشق، و حرق قصر حجاج، و حكر السماق، و جامع جراح خارج باب الصغير، و مساجد كثيرة، و نصب المنجنيق عند باب الصغير و عند باب الجابية، و نصب من داخل البلد منجنيقان أيضا، و تراءى الفريقان و أرسل الصالح إسماعيل إلى الأمير معين الدين بن الشيخ بسجادة و عكاز و إبريق و أرسل يقول: اشتغالك بهذا أولى من اشتغالك بمحاصرة الملوك، فأرسل إليه المعين بزمر و جنك و غلالة حرير أحمر و أصفر، و أرسل يقول له: أما السجادة فإنها تصلح لي، و أما أنت فهذا أولى بك. ثم أصبح ابن الشيخ فاشتد الحصار بدمشق، و أرسل الصالح إسماعيل فأحرق جوسق قصر والده العادل، و امتد الحريق في زقاق الرمان إلى العقبية فأحرقت بأسرها، و قطعت الأنهار و غلت الأسعار، و أخيفت الطرق و جرى بدمشق أمور بشعة جدا، لم يتم عليها قط، و امتد الحصار شهورا من هذه السنة إلى جمادى الأولى، فأرسل أمين الدولة يطلب من ابن الشيخ شيئا من ملابسه، فأرسل إليه بفرجية و عمامة و قميص و منديل، فلبس ذلك الأمين و خرج إلى معين الدين، فاجتمع به بعد العشاء طويلا، ثم عاد ثم خرج مرة أخرى فاتفق الحال على أن يخرج الصالح إسماعيل إلى بعلبكّ و يسلم دمشق إلى الصالح أيوب، فاستبشر الناس بذلك و أصبح الصالح إسماعيل خارجا إلى بعلبكّ و دخل معين الدين ابن الشيخ فنزل في دار أسامة، فولى و عزل و قطع و وصل، و فوض قضاء القضاة إلى صدر الدين بن سنى الدولة، و عزل القاضي محيي الدين بن الزكي، و استناب ابن سنى الدولة التفليسي الّذي ناب لابن الزكي و الفرز السنجاري، و أرسل معين الدين ابن الشيخ أمين الدولة غزال ابن المسلماني وزير الصالح إسماعيل تحت الحوطة إلى الديار المصرية.
و أما الخوارزمية فإنهم لم يكونوا حاضرين وقت الصلح، فلما علموا بوقوع الصلح غضبوا و ساروا نحو داريا فنهبوها و ساقوا نحو بلاد الشرق، و كاتبوا الصالح إسماعيل فحالفوه على الصالح أيوب، ففرح بذلك و نقض الصلح الّذي كان وقع منه، و عادت الخوارزمية فحاصروا دمشق، و جاء إليهم الصالح