البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٨٧ - ثم دخلت سنة أربع و خمسين و ستمائة
هذه السنة (رحمه اللَّه). و قد توفى الشريف المرتضى نقيب الأشراف بحلب، و كانت وفاته بها، (رحمه اللَّه تعالى).
ثم دخلت سنة أربع و خمسين و ستمائة
فيها كان ظهور النار من أرض الحجاز التي أضاءت لها أعناق الإبل ببصرى، كما نطق بذلك الحديث المتفق عليه، و قد بسط القول في ذلك الشيخ الامام العلامة الحافظ شهاب الدين أبو شامة المقدسي في كتابه الذيل و شرحه، و استحضره من كتب كثيرة وردت متواترة إلى دمشق من الحجاز بصفة أمر هذه النار التي شوهدت معاينة، و كيفية خروجها و أمرها، و هذا محرر في كتاب:
دلائل النبوة من السيرة النبويّة، في أوائل هذا الكتاب و للَّه الحمد و المنة. و ملخص ما أورده أبو شامة أنه قال: و جاء إلى دمشق كتب من المدينة النبويّة على ساكنها أفضل الصلاة و السلام، بخروج نار عندهم في خامس جمادى الآخرة من هذه السنة، و كتبت الكتب في خامس رجب، و النار بحالها، و وصلت الكتب إلينا في عاشر شعبان ثم قال:
«بسم اللَّه الرحمن الرحيم، ورد إلى مدينة دمشق في أوائل شعبان من سنة أربع و خمسين و ستمائة كتب من مدينة رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، فيها شرح أمر عظيم حدث بها فيه تصديق لما
في الصحيحين من حديث أبى هريرة. قال قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): «لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضيء لها أعناق الإبل ببصرى»
فأخبرني من أثق به ممن شاهدها أنه بلغه أنه كتب بتيماء على ضوئها الكتب. قال و كنا في بيوتنا تلك الليالي، و كان في دار كل واحد منا سراج، و لم يكن لها حر و لفح على عظمها، إنما كانت آية من آيات اللَّه عز و جل». قال أبو شامة: و هذه صورة ما وقفت عليه من الكتب الواردة فيها.
«لما كانت ليلة الأربعاء ثالث جمادى الآخرة سنة أربع و خمسين و ستمائة ظهر بالمدينة النبويّة دوى عظيم، ثم زلزلة عظيمة رجفت منها الأرض و الحيطان و السقوف و الأخشاب و الأبواب، ساعة بعد ساعة إلى يوم الجمعة الخامس من الشهر المذكور، ثم ظهرت نار عظيمة في الحرة قريبة من قريظة نبصرها من دورنا من داخل المدينة كأنها عندنا، و هي نار عظيمة إشعالها أكثر من ثلاث منارات، و قد سالت أودية بالنار إلى وادي شظا مسيل الماء، و قد مدت مسيل شظا و ما عاد يسيل، و اللَّه لقد طلعنا جماعة نبصرها فإذا الجبال تسيل نيرانا، و قد سدت الحرة طريق الحاج العراقي، فسارت إلى أن وصلت إلى الحرة فوقفت بعد ما أشفقنا أن تجيء إلينا، و رجعت تسيل في الشرق فخرج من وسطها سهود و جبال نيران تأكل الحجارة، فيها أنموذج عما أخبر اللَّه تعالى في كتابه إِنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ كَأَنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ و قد أكلت الأرض، و قد كتبت هذا الكتاب يوم خامس رجب سنة أربع و خمسين و ستمائة و النار في زيادة ما تغيرت، و قد عادت إلى الحرار في قريظة طريق