البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٨٨ - ثم دخلت سنة أربع و خمسين و ستمائة
عير الحاج العراقي إلى الحرة كلها نيران تشتعل نبصرها في الليل من المدينة كأنها مشاعل الحاج.
و أما أم النار الكبيرة فهي جبال نيران حمر، و الأم الكبيرة التي سالت النيران منها من عند قريظة، و قد زادت و ما عاد الناس يدرون أي شيء يتم بعد ذلك، و اللَّه يجعل العاقبة إلى خير، فما أقدر أصف هذه النار».
قال أبو شامة: «و في كتاب آخر: ظهر في أول جمعة من جمادى الآخرة سنة أربع و خمسين و ستمائة و وقع في شرقى المدينة المشرفة نار عظيمة بينها و بين المدينة نصف يوم: انفجرت من الأرض و سال منها واد من نار حتى حاذى جبل أحد، ثم وقفت و عادت إلى الساعة، و لا ندري ما ذا نفعل، و وقت ما ظهرت دخل أهل المدينة إلى نبيهم عليه الصلاة و السلام مستغفرين تائبين إلى ربهم تعالى، و هذه دلائل القيامة».
قال «و في كتاب آخر: لما كان يوم الاثنين مستهل جمادى الآخرة، سنة أربع و خمسين و ستمائة وقع بالمدينة صوت يشبه صوت الرعد البعيد تارة و تارة، أقام على هذه الحالة يومين، فلما كانت ليلة الأربعاء ثالث الشهر المذكور تعقب الصوت الّذي كنا نسمعه زلازل، فلما كان يوم الجمعة خامس الشهر المذكور انبجست الحرة بنار عظيمة يكون قدرها مثل مسجد رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و هي برأي العين من المدينة، نشاهدها و هي ترمى بشرر كالقصر، كما قال اللَّه تعالى، و هي بموضع يقال له أجيلين [١] و قد سال من هذه النار واد يكون مقداره أربع فراسخ، و عرضه أربعة أميال، و عمقه قامة و نصف، و هي تجرى على وجه الأرض و يخرج منها أمهاد و جبال صغار، و تسير على وجه الأرض و هو صخر يذوب حتى يبقى مثل الآنك. فإذا جمد صار أسود، و قبل الجمود لونه أحمر، و قد حصل بسبب هذه النار إقلاع عن المعاصي، و التقرب إلى اللَّه تعالى بالطاعات، و خرج أمير المدينة عن مظالم كثيرة إلى أهلها».
قال الشيخ شهاب الدين أبو شامة، «و من كتاب شمس الدين بن سنان بن عبد الوهاب بن نميلة الحسيني قاضى المدينة إلى بعض أصحابه: لما كانت ليلة الأربعاء ثالث جمادى الآخرة حدث بالمدينة بالثلث الأخير من الليل زلزلة عظيمة أشفقنا منها، و باتت باقي تلك الليلة تزلزل كل يوم و ليلة قدر عشر نوبات، و اللَّه لقد زلزلت مرة و نحن حول حجرة رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) اضطرب لها المنبر إلى أن أوجسنا منه [إذ سمعنا] صوتا للحديد الّذي فيه، و اضطربت قناديل الحرم الشريف، و تمت الزلزلة إلى يوم الجمعة ضحى، و لها دوى مثل دوى الرعد القاصف، ثم طلع يوم الجمعة في طريق الحرة
[١] «في النسخة المصرية الراجلين» و في النجوم الزهرة «أحيلين» و بهامشه: في تاريخ مكة و المسجد الحرام و المدينة الشريفة «أخيلين».