البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٧٧ - و قاضى القضاة شمس الدين الحنبلي
إن شاء اللَّه شهيد. و في يوم الجمعة السابع و العشرين من صفر خطب في جميع الجوامع بالديار المصرية للملك السعيد، و صلى على والده الملك الظاهر و استهلت عيناه بالدموع. و في منتصف ربيع الأول ركب الملك السعيد بالعصائب على عادته و بين يديه الجيش بكماله المصري و الشامي، حتى وصل إلى الجبل الأحمر و فرح الناس به فرحا شديدا، و عمره يومئذ تسع عشرة سنة، و عليه أبهة الملك و رياسة السلطنة. و في يوم الاثنين رابع جمادى الأولى فتحت مدرسة الأمير شمس الدين آقسنقر الفارقانى بالقاهرة، بحارة الوزيرية على مذهب أبى حنيفة. و عمل فيها مشيخة حديث و قارئ.
و بعده بيوم عقد عقد ابن الخليفة المستمسك باللَّه ابن الحاكم بأمر اللَّه، على ابنة الخليفة المستنصر ابن الظاهر، و حضر والده و السلطان و وجوه الناس. و في يوم السبت تاسع جمادى الأولى شرع في بناء الدار التي تعرف بدار العقيقي، تجاه العادلية، لتجعل مدرسة و تربة للملك الظاهر، و لم تكن قبل ذلك إلا دارا للعقبى، و هي المجاورة لحمام العقبقى، و أسس أساس التربة في خامس جمادى الآخرة و أسست المدرسة أيضا.
و في رمضان طلعت سحابة عظيمة بمدينة صفت لمع منها برق شديد، و سطع منها لسان نار، و سمع منها صوت شديد هائل، و وقع منها على منارة صفت صاعقة شقتها من أعلاها إلى أسفلها شقا يدخل الكف فيه
و ممن توفى فيها من الأعيان
البرواناه في العشر الأول من المحرم. و الملك الظاهر في العشر الأخير منه، و قد تقدم شيء من ترجمتهما.
و الأمير الكبير بدر الدين بيلبك بن عبد اللَّه
الخزندار نائب الديار المصرية للملك الظاهر، كان جوادا ممدحا له إلمام و معرفة بأيام الناس، و التواريخ، و قد وقف درسا بالجامع الأزهر على الشافعية، و يقال إنه سم فمات، فلما مات انتقض بعده حبل الملك السعيد، و اضطربت أموره.
و قاضى القضاة شمس الدين الحنبلي
محمد ابن الشيخ العماد أبى إسحاق إبراهيم بن عبد الواحد بن على بن سرور المقدسي، أول من ولى قضاء قضاة الحنابلة بالديار المصرية، سمع الحديث خصوصا على ابن طبرزد و غيره، و رحل إلى بغداد و اشتغل بالفقه، و تفنن في علوم كثيرة، و ولى مشيخة سعيد السعداء، و كان شيخا مهيبا حسن الشيبة كثير التواضع و البر و الصدقة، و قد اشترط في قبول الولاية أن لا يكون له عليها جامكية ليقوم في الناس بالحق في حكمه، و قد عزله الظاهر عن القضاء سنة سبعين و اعتقله بسبب الودائع التي كانت عنده، ثم أطلقه بعد سنتين فلزم منزله و استقر بتدريس الصالحية إلى أن توفى في أواخر المحرم، و دفن عند عم الحافظ عبد الغنى بسفح جبل المقطم، و قد أجاز للبرزالى.