البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٧٥ - ثم دخلت سنة ست و سبعين و ستمائة
في السابع و العشرين من المحرم بالقصر الأبلق، و كان ذلك يوما عظيما على الأمراء، و حضر نائب السلطنة عز الدين أيدمر و كبار الأمراء و الدولة، فصلوا عليه سرا و جعلوه في تابوت و رفعوه إلى القلعة من السور و جعلوه في بيت من بيوت البحرية إلى أن نقل إلى تربته التي بناها ولده له بعد موته، و هي دار العقيقي تجاه العادلية الكبيرة، ليلة الجمعة خامس رجب من هذه السنة، و كتم موته فلم يعلم جمهور الناس به حتى إذا كان العشر الأخير من ربيع الأول، و جاءت البيعة لولده السعيد من مصر فحزن الناس عليه حزنا شديدا، و ترحموا عليه ترحما كثيرا، و جددت البيعة أيضا بدمشق و جاء تقليد النيابة بالشام مجددا إلى عز الدين أيدمر نائبها.
و قد كان الملك الظاهر شهما شجاعا عالى الهمة بعيد الغور مقداما جسورا معتنيا بأمر السلطنة، يشفق على الإسلام، متحليا بالملك، له قصد صالح في نصرة الإسلام و أهله، و إقامة شعار الملك، و استمرت أيامه من يوم الأحد سابع عشر ذي القعدة سنة ثمان و خمسين إلى هذا الحين، ففتح في هذه المدة فتوحات كثيرة قيسارية و أرسون و يافا و الشقيف و أنطاكية و بعراض و طبرية و القصير و حصن الأكراد و حصن عكا و الغرين و صافينا و غير ذلك من الحصون المنيعة التي كانت بأيدي الفرنج، و لم يدع مع الإسماعيلية شيئا من الحصون، و ناصف الفرنج على المرقب، و بانياس و بلاد أنطرسوس، و سائر ما بقي بأيديهم من البلاد و الحصون، و ولى في نصيبه مما ناصفهم عليه النواب و العمال و فتح قيسارية من بلاد الروم، و أوقع بالروم و المغول على البلستين بأسا لم يسمع بمثله من دهور متطاولة، و استعاد من صاحب سيس بلادا كثيرة، و جاس خلال ديارهم و حصونهم، و استرد من أيدي المتغلبين من المسلمين بعلبكّ و بصرى و صرخد و حمص و عجلون و الصلت و تدمر و الرحبة و تل باشر و غيرها، و الكرك و الشوبك، و فتح بلاد النوبة بكمالها من بلاد السودان، و انتزع بلادا من التتار كثيرة، منها شيرزور و البيرة، و اتسعت مملكته من الفرات إلى أقصى بلاد النوبة، و عمر شيئا كثيرا من الحصون و المعاقل و الجسور على الأنهار الكبار، و بنى دار الذهب بقلعة الجبل، و بنى قبة على اثنى عشر عمودا ملونة مذهبة، و صور فيها صور خاصكيته و أشكالهم، و حفر أنهارا كثيرة و خلجانات ببلاد مصر، منها نهر السرداس، و بنى جوامع كثيرة و مساجد عديدة، و جدد بناء مسجد رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) حين احترق، و وضع الدرابزينات حول الحجرة الشريفة، و عمل فيه منبرا و سقفه بالذهب، و جدد المارستان بالمدينة، و جدد قبر الخليل عليه السلام، و زاد في زاويته و ما يصرف إلى المقيمين، و بنى على المكان المنسوب إلى قبر موسى عليه السلام قبة قبلي أريحا، و جدد بالقدس أشياء حسنة من ذلك قبة السلسلة، و رمم سقف الصخرة و غيرها، و بنى بالقدس خانا هائلا بماملّا، و نقل إليه باب قصر الخلفاء الفاطميين من مصر، و عمل فيه طاحونا و فرنا