البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٦٩ - الوجيه الأعمى
إلى القاضي جمال الدين بن الخرستانى، و هو ابن ثمانين أو تسعين سنة، فحكم بالعدل و قضى بالحق، و يقال إنه كان يحكم بالمدرسة المجاهدية قريبا من النورية عند باب القواسين. و فيها أبطل العادل ضمان الخمر و القيان جزاه اللَّه خيرا، فزال بزوال ذلك عن الناس و منهم شر كثير. و فيها حاصر الأمير قتادة أمير مكة المدينة و من بها و قطع نخلا كثيرا، فقاتله أهلها فكر خائبا خاسرا حسيرا، و كان صاحب المدينة بالشام فطلب من العادل نجدة على أمير مكة، فأرسل معه جيشا فأسرع في الأوبة فمات في أثناء الطريق، فاجتمع الجيش على ابن أخيه جماز فقصد مكة فالتقاه أميرها بالصفراء فاقتتلوا قتالا شديدا، فهرب المكيون و غنم منهم جماز شيئا كثيرا، و هرب قتادة إلى الينبع فساروا إليه فحاصروه بها و ضيقوا عليه. و فيها أغارت الفرنج على بلاد الإسماعيلية فقتلوا و نهبوا. و فيها أخذ ملك الروم كيكاوس مدينة أنطاكية من أيدي الفرنج ثم أخذها منه ابن لاون ملك الأرمن، ثم منه إبريس طرابلس. و فيها ملك خوارزم شاه محمد بن تكش مدينة غزنة بغير قتال.
و فيها كانت وفاة ولى العهد أبى الحسن على بن أمير المؤمنين الناصر لدين اللَّه، و لما توفى حزن الخليفة عليه حزنا عظيما، و كذلك الخاصة و العامة لكثرة صدقاته و إحسانه إلى الناس، حتى قيل إنه لم يبق بيت ببغداد إلا حزنوا عليه، و كان يوم جنازته يوما مشهودا و ناح أهل البلد عليه ليلا و نهارا، و دفن عند جدته بالقرب من قبر معروف، توفى يوم الجمعة العشرين من ذي القعدة و صلى عليه بعد صلاة العصر، و في هذا اليوم قدم بغداد برأس منكلى الّذي كان قد عصى على الخليفة و على أستاذه، فطيف به و لم يتم فرحه ذلك اليوم لموت ولده و ولى عهده، و الدنيا لا تسر بقدر ما تضر، و ترك ولدين أحدهما المؤيد أبو عبد اللَّه الحسين، و الموفق أبو الفضل يحيى.
و فيها توفى من الأعيان
الحافظ عبد القاهر الرهاوي
ابن عبد القادر بن عبد اللَّه بن عبد الرحمن أبو محمد الحافظ المحدث المخرج المفيد المحرر المتقن البارع المصنف، كان مولى لبعض المواصلة، و قيل لبعض الجوابين، اشتغل بدار الحديث بالموصل، ثم انتقل إلى حران، و قد رحل إلى بلدان شتى، و سمع الكثير من المشايخ، و أقام بحران إلى أن توفى بها، و كان مولده في سنة ست و ثلاثين و خمسمائة، كان دينا صالحا (رحمه اللَّه).
الوجيه الأعمى
أبو بكر المبارك بن سعيد بن الدهان النحويّ الواسطي الملقب بالوجيه، ولد بواسط و قدم بغداد فاشتغل بعلم العربية، فأتقن ذلك و حفظ شيئا كثيرا من أشعار العرب، و سمع الحديث و كان حنبليا ثم انتقل إلى مذهب أبى حنيفة، ثم صار شافعيا، و ولى تدريس النحو بالنظاميّة، و فيه يقول الشاعر:
فمن مبلغ عنى الوجيه رسالة* * * و إن كان لا تجدى إليه الرسائل