البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٥٩ - ثم دخلت سنة أربعين و ستمائة
موت أول من درس بها محيي الدين محمد بن فضلان، ثم عزل عن ذلك كله و عن مشيخة بعض الربط.
ثم كانت وفاته في هذا العام، و كان فاضلا دينا متواضعا (رحمه اللَّه تعالى) و عفا عنه.
ثم دخلت سنة أربعين و ستمائة
فيها توفى الخليفة المستنصر باللَّه و خلافة ولده المستعصم باللَّه، فكانت وفاة الخليفة أمير المؤمنين بكرة يوم الجمعة عاشر جمادى الآخرة، و له من العمر إحدى و خمسون سنة، و أربعة أشهر و سبعة أيام، و كتم موته حتى كان الدعاء له على المنابر ذلك اليوم، و كانت مدة ولايته ست عشرة سنة و عشرة أشهر و سبعة و عشرين يوما، و دفن بدار الخلافة، ثم نقل إلى الترب من الرصافة. و كان جميل الصورة حسن السريرة جيد السيرة، كثير الصدقات و البر و الصلات، محسنا إلى الرعية بكل ما يقدر عليه، كان جده الناصر قد جمع ما يتحصل من الذهب في بركة في دار الخلافة، فكان يقف على حافتها و يقول: أ ترى أعيش حتى أملأها، و كان المستنصر يقف على حافتها و يقول أ ترى أعيش حتى أنفقها كلها. فكان يبنى الربط و الخانات و القناطر في الطرقات من سائر الجهات، و قد عمل بكل محلة من محال بغداد دار ضيافة للفقراء، لا سيما في شهر رمضان، و كان يتقصد الجواري اللائي قد بلغن الأربعين فيشترين له فيعتقهن و يجهزهن و يزوجهن، و في كل وقت يبرز صلاته ألوف متعددة من الذهب، تفرق في المحال ببغداد على ذوى الحاجات و الأرامل و الأيتام و غيرهم، تقبل اللَّه تعالى منه و جزاه خيرا، و قد وضع ببغداد المدرسة المستنصرية للمذاهب الأربعة، و جعل فيها دار حديث و حماما و دار طب، و جعل لمستحقيها من الجوامك و الأطعمة و الحلاوات و الفاكهة ما يحتاجون إليه في أوقاته، و وقف عليها أوقافا عظيمة حتى قيل إن ثمن التبن من غلات ريعها يكفى المدرسة و أهلها.
و وقف فيها كتبا نفيسة ليس في الدنيا لها نظير، فكانت هذه المدرسة جمالا لبغداد و سائر البلاد، و قد احترق في أول هذه السنة المشهد الّذي بسامراء المنسوب إلى على الهادي و الحسن العسكري، و قد كان بناه أرسلان البساسيري في أيام تغلبه على تلك النواحي، في حدود سنة خمسين و أربعمائة، فأمر الخليفة المستنصر بإعادته إلى ما كان عليه، و قد تكلمت الروافض في الاعتذار عن حريق هذا المشهد بكلام طويل بارد لا حاصل له، و صنفوا فيه أخبارا و أنشدوا أشعارا كثيرة لا معنى لها، و هو المشهد الّذي يزعمون أنه يخرج منه المنتظر الّذي لا حقيقة له، فلا عين و لا أثر، و لو لم يبن لكان أجدر، و هو الحسن بن على بن محمد الجواد بن على الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن على ابن محمد بن الباقر بن على زين العابدين بن الحسين الشهيد بكربلاء بن علي بن أبي طالب رضى اللَّه عنهم أجمعين، و قبح من يغلو فيهم و يبغض بسببهم من هو أفضل منهم.
و كان المستنصر (رحمه اللَّه) كريما حليما رئيسا متوددا إلى الناس، و كان جميل الصورة حسن الأخلاق