البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣١٦ - وفاة الملك المنصور قلاوون
و كان فيه لطف و تواضع.
الشيخ فخر الدين أبو محمد
عبد الرحمن بن يوسف البعلبكي الحنبلي، شيخ دار الحديث النورية و مشهد ابن عروة، و شيخ الصدرية، كان يفتى و يفيد الناس مع ديانة و صلاح و زهادة و عبادة، ولد سنة إحدى عشرة و ستمائة، و توفى في رجب منها.
ثم دخلت سنة تسع و ثمانين و ستمائة
فيها كانت وفاة الملك المنصور قلاوون، و كان الخليفة الحاكم العباسي، و نائب مصر حسام الدين طرقطاى، و نائب الشام حسام الدين لاجين، و قضاة الشام شهاب الدين بن الخوى الشافعيّ، و حسام الدين الحنفي، و نجم الدين بن شيخ الجبل، و جمال الدين الزواوى المالكي، و جاء البريد يطلب شمس الدين سنقر الأشقر إلى الديار المصرية، فأكرمه السلطان و قواه و شديدة و أمره باستخلاص الأموال، و زاده مشد الجيوش، و الكلام على الحصون إلى البيرة و كختا و غير ذلك، فقويت نفسه و زاد تجبره و لكن كان يرجع إلى مروءة و ستر و ينفع من ينتمى إليه، و ذلك مودة في الدنيا في أيام قلائل، و في جمادى الآخرة جاء البريد بالكشف على ناصر الدين المقدسي وكيل بيت المال، و ناظر الخاص، فظهرت عليه مخازي من أكل الأوقاف و غيرها، فرسم عليه بالعذراوية و طولب بتلك الأموال و ضيق عليه، و عمل فيه سيف الدين أبو العباس السامري قصيدة يتشفى فيها لما كان أسدى إليه من الظلم و الإيذاء، مع أنه راح إليه و تغمم له و تمازحا هنالك، ثم جاء البريد بطلبه إلى الديار المصرية فخاف النواب من ذهابه، فأصبح يوم الجمعة و هو مشنوق بالمدرسة العذراوية، فطلبت القضاة و الشهود فشاهدوه كذلك، ثم جهز و صلى عليه بعد الجمعة و دفن بمقابر الصوفية عند أبيه، و كان مدرسا بالرواحية و تربة أم الصالح، مع الوكالتين و النظر.
و جاء البريد بعمل مجانيق لحصار عكا فركب الأعسر إلى أراضى بعلبكّ لما هنالك من الأخشاب العظيمة التي لا يوجد مثلها بدمشق، و هي تصلح لذلك، فكثرت الجنايات و الجبايات و السخر، و كلفوا الناس تكليفا كثيرا، و أخذوا أخشاب الناس، و حملت إلى دمشق بكلفة عظيمة و شدة كثيرة، ف إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ.
وفاة الملك المنصور قلاوون
بينما الناس في هذا الهم و المصادرات و أمثال ذلك إذ وردت بريدية فأخبروا بوفاة الملك المنصور يوم السبت سادس ذي القعدة من هذه السنة، بالمخيم ظاهر القاهرة، ثم حمل إلى قلعة الجبل ليلا و جلس بعده ولده الملك الأشرف خليل بولاية العهد له، و حلف له جميع الأمراء، و خطب له على المنابر، و ركب في أبهة الملك، و العساكر كلهم في خدمته مشاة من قلعة الجبل إلى الميدان الأسود الّذي هو سوق الخيل، و على الأمراء و المقدمين الخلع، و على القضاة و الأعيان، و لما جاءت الأخبار