البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٧٤ - ثم دخلت سنة ست و أربعين و ستمائة
هذه السنة، قال الشيخ شهاب الدين أبو شامة في الذيل: و في رمضان أيضا توفى الشيخ على المعروف بالحريري المقيم بقرية بسر في زاويته، و كان يتردد إلى دمشق، و تبعه طائفة من الفقراء و هم المعروفون بأصحاب الحريري أصحاب المنافي للشريعة، و باطنهم شر من ظاهرهم، إلا من رجع إلى اللَّه منهم، و كان عند هذا الحريري من الاستهزاء بأمور الشريعة و التهاون فيها من إظهار شعائر أهل الفسوق و العصيان شيء كثير، و انفسد بسببه جماعة كبيرة من أولاد كبراء دمشق و صاروا على زي أصحابه، و تبعوه بسبب أنه كان خليع العذار، يجمع مجلسه الغنا الدائم و الرقص و المردان، و ترك الإنكار على أحد فيما يفعله، و ترك الصلوات و كثرت النفقات، فأضل خلقا كثيرا و أفسد جما غفيرا، و لقد أفتى في قتله مرارا جماعة من علماء الشريعة، ثم أراح اللَّه تعالى منه. هذا لفظه بحروفه.
واقف العزية الأمير عز الدين أيبك
أستاذ دار المعظم، كان من العقلاء الأجواد الأمجاد، استنابه المعظم على صرخد و ظهرت منه نهضة و كفاية و سداد، و وقف العزيتين الجوانية و البرانية، و لما أخذ منه الصالح أيوب صرخد عوضه عنها و أقام بدمشق ثم وشى عليه بأنه يكاتب الصالح إسماعيل فاحتيط عليه و على أمواله و حواصله فمرض و سقط إلى الأرض، و قال: هذا آخر عهدي. و لم يتكلم حتى مات و دفن بباب النصر بمصر (رحمه اللَّه تعالى)، ثم نقل إلى تربته التي فوق الوراقة. و إنما أرخ السبط وفاته في سنة سبع و أربعين فاللَّه أعلم.
الشهاب غازى بن العادل
صاحب ميافارقين و خلاط و غيرهما من البلدان، كان من عقلاء بنى أيوب و فضلائهم، و أهل الديانة منهم، و مما أنشد قوله:
و من عجب الأيام أنك جالس* * * على الأرض في الدنيا و أنت تسير
فسيرك يا هذا كسير سفينة* * * بقوم جلوس و القلوع تطير
ثم دخلت سنة ست و أربعين و ستمائة
فيها قدم السلطان الصالح نجم الدين من الديار المصرية إلى دمشق و جهز الجيوش و المجانيق إلى حمص، لأنه كان صاحبها الملك الأشرف بن موسى بن المنصور بن أسد الدين قد قايض بها إلى تل باشر لصاحب حلب الناصر يوسف بن العزيز، و لما علمت الحلبيون بخروج الدماشقة برزوا أيضا في جحفل عظيم ليمنعوا حمص منهم، و اتفق الشيخ نجم الدين البادزاى مدرس النظامية ببغدادى في رسالة فأصلح بين الفريقين، و رد كلا من الفئتين إلى مستقرها و للَّه الحمد. و فيها قتل مملوك تركي شاب صبي لسيده على دفعه عنه لما أراد به من الفاحشة، فصلب الغلام مسمرا، و كان شابا حسنا جدا فتأسف الناس له لكونه صغيرا و مظلوما و حسنا، و نظموا فيه قصائد، و ممن نظم فيه الشيخ شهاب