البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٤٧ - ثم دخلت سنة أربع و ستين و ستمائة
كثير، فلما توجه إلى فتحها طلبوا الأمان، فأجلس على سرير مملكته الأمير سيف الدين كرمون التتري، و جاءت رسلهم فخلعوه و انصرفوا و لا يشعرون أن الّذي أعطاهم العهود بالأمان إنما هو الأمير الّذي أجلسه على السرير و الحرب خدعة، فلما خرجت الاستنارية و الداوية من القلعة و قد فعلوا بالمسلمين الأفاعيل القبيحة. فأمكن اللَّه منهم فأمر السلطان بضرب رقابهم عن آخرهم، و جاءت البريدية إلى البلاد بذلك، فدقت البشائر و زينت البلاد، ثم بث السرايا يمينا و شمالا في بلاد الفرنج فاستولى المسلمون على حصون كثيرة تقارب عشرين حصنا، و أسروا قريبا من ألف أسير ما بين امرأة و صبي، و غنموا شيئا كثيرا.
و فيها قدم ولد الخليفة المستعصم بن المستنصر من الأسر و اسمه على، فأكرم و أنزل بالدار الأسدية تجاه العزيزية، و قد كان أسيرا في أيدي التتار، فلما كسرهم بركه خان تخلص من أيديهم و سار إلى دمشق، و لما فتح السلطان صغدا أخبره بعض من كان فيها من أسرى المسلمين أن سبب أسرهم أن أهل قرية فأرا كانوا يأخذونهم فيحملونهم إلى الفرنج فيبيعونهم منهم، فعند ذلك ركب السلطان قاصدا فأرا فأوقع بهم بأسا شديدا و قتل منهم خلقا كثيرا، و أسر من أبنائهم و نسائهم أخذا بثأر المسلمين جزاه اللَّه خيرا، ثم أرسل السلطان جيشا هائلا إلى بلاد سيس، فجاسوا خلال الديار و فتحوا سيس عنوة و أسروا ابن ملكها و قتلوا أخاه و نهبوها، و قتلوا أهلها و أخذوا بثأر الإسلام و أهله منهم، و ذلك أنهم كانوا أضر شيء على المسلمين زمن التتار، لما أخذوا مدينة حلب و غيرها أسروا من نساء المسلمين و أطفالهم خلقا كثيرا، ثم كانوا بعد ذلك يغيرون على بلاد المسلمين في زمن هولاكو فكبته اللَّه و أهانه على يدي أنصار الإسلام، هو و أميره كتبغا، و كان أخذ سيس يوم الثلاثاء العشرين من ذي القعدة من هذه السنة، و جاءت الأخبار بذلك إلى البلاد و ضربت البشائر، و في الخامس و العشرين من ذي الحجة دخل السلطان و بين يديه ابن صاحب سيس و جماعة من ملوك الأرمن أسارى أذلاء صغرة، و العساكر صحبته و كان يوما مشهودا. ثم سار إلى مصر مؤيدا منصورا، و طلب صاحب سيس أن يفادى ولده، فقال السلطان لا نفاديه إلا بأسير لنا عند التتار يقال له سنقر الأشقر، فذهب صاحب سيس إلى ملك التتر فتذلل له و تمسكن و خضع له، حتى أطلقه له، فلما وصل سنقر الأشقر إلى السلطان أطلق ابن صاحب سيس.
و فيها عمر الظاهر الجسر المشهور بين قرارا و دامية، تولى عمارته الأمير جمال الدين محمد بن بهادر و بدر الدين محمد بن رحال والى نابلس و الأغوار، و لما تم بناؤه اضطرب بعض أركانه فقلق السلطان من ذلك و أمر بتأكيده فلم يستطيعوا من قوة جرى الماء حينئذ، فاتفق باذن اللَّه أن انسالت على النهر أكمة من تلك الناحية، فسكن الماء بمقدار أن أصلحوا ما يريدون، ثم عاد الماء كما كان