البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٤٢ - ثم دخلت سنة ثنتين و ستين و ستمائة
الأمير الكبير مجير الدين
أبو الهيجاء عيسى بن حثير الازكشى الكردي الأموي، كان من أعيان الأمراء و شجعانهم، و له يوم عين جالوت اليد البيضاء في كسر التتار، و لما دخل الملك المظفر إلى دمشق بعد الوقعة جعله مع الأمير علم الدين سنجر الحلبي نائبا على دمشق مستشارا و مشتركا في الرأى و المراسيم و التدبير، و كان يجلس معه في دار العدل و له الاقطاع الكامل و الرزق الواسع، إلى أن توفى في هذه السنة. قال أبو شامة: و والده الأمير حسام الدين توفى في جيش الملك الأشرف ببلاد الشرق هو و الأمير عماد الدين أحمد بن المشطوب. قلت و ولده الأمير عز الدين تولى هذه المدينة أعنى دمشق مدة، و كان مشكور السيرة و إليه ينسب درب ابن سنون بالصاغة العتيقة، فيقال درب ابن أبى الهيجاء لأنه كان يسكنه و كان يعمل الولاية فيه فعرف به، و بعد موته بقليل كان فيه نزولنا حين قدمنا من حوران و أنا صغير فختمت فيه القرآن، و للَّه الحمد.
ثم دخلت سنة ثنتين و ستين و ستمائة
استهلت و الخليفة الحاكم بأمر اللَّه العباسي، و السلطان الظاهر بيبرس، و نائب دمشق الأمير جمال الدين آقوش النجيبى و قاضيه ابن خلكان.
و فيها في أولها كملت المدرسة الظاهرية التي بين القصرين، و رتب لتدريس الشافعية بها القاضي تقى الدين محمد بن الحسين بن رزين، و لتدريس الحنفية مجد الدين عبد الرحمن بن كمال الدين عمر ابن العديم، و لمشيخة الحديث بها الشيخ شرف الدين عبد المؤمن بن خلف الحافظ الدمياطيّ.
و فيها عمر الظاهر بالقدس خانا و وقف عليه أوقافا للنازلين به من إصلاح نعالهم و أكلهم و غير ذلك، و بنى به طاحونا و فرنا.
و فيها قدمت رسل بركه خان إلى الملك الظاهر و معهم الأشرف ابن الشهاب غازى بن العادل، و معهم من الكتب و المشافهات ما فيه سرور للإسلام و أهله مما حل بهولاكو و أهله.
و في جمادى الآخرة منها درس الشيخ شهاب الدين أبو شامة عبد الرحمن بن إسماعيل المقدسي بدار الحديث الأشرفية، بعد وفاة عماد الدين بن الحرستانيّ، و حضر عنده القاضي ابن خلكان و جماعة من القضاة و الأعيان، و ذكر خطبة كتابه المبعث، و أورد الحديث بسنده و متنه و ذكر فوائد كثيرة مستحسنة، و يقال إنه لم يراجع شيئا حتى و لا درسه و مثله لا يستكثر ذلك عليه و اللَّه أعلم.
و فيها قدم نصير الدين الطوسي إلى بغداد من جهة هولاكو، فنظر في الأوقاف و أحوال البلد، و أخذ كتبا كثيرة من سائر المدارس و حولها إلى رصده الّذي بناه بمراغة، ثم انحدر إلى واسط و البصرة.