البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٤٨ - ثم دخلت سنة خمس و ستين و ستمائة
و ذلك بتيسير اللَّه و عونه و عنايته العظيمة.
و فيها توفى من الأعيان
آيدغدي بن عبد اللَّه
الأمير جمال الدين العزيزي، كان من أكابر الأمراء و أحظاهم عند الملك الظاهر، لا يكاد الظاهر يخرج عن رأيه، و هو الّذي أشار عليه بولاية القضاة من كل مذهب قاض على سبيل الاستقلال و كان متواضعا لا يلبس محرما، كريما وقورا رئيسا معظما في الدولة، أصابته جراحة في حصار صغد فلم يزل مريضا منها حتى مات ليلة عرفة، و دفن بالرباط الناصري بسفح قاسيون من صلاحية دمشق (رحمه اللَّه).
هولاكو خان بن تولى خان بن جنكيزخان
ملك التتار بن ملك التتار، و هو والد ملوكهم، و العامة يقولون هولاوون مثل قلاوون، و قد كان هولاكو ملكا جبارا فاجرا كفارا لعنه اللَّه، قتل من المسلمين شرقا و غربا ما لا يعلم عددهم إلا الّذي خلقهم و سيجازيه على ذلك شر الجزاء، كان لا يتقيد بدين من الأديان، و إنما كانت زوجته ظفر خاتون قد تنصرت و كانت تفضل النصارى على سائر الخلق، و كان هو يترامى على محبة المعقولات، و لا يتصور منها شيئا، و كان أهلها من أفراخ الفلاسفة لهم عنده وجاهة و مكانة، و إنما كانت همته في تدبير مملكته و تملك البلاد شيئا فشيئا، حتى أباده اللَّه في هذه السنة، و قيل في سنة ثلاث و ستين، و دفن في مدينة تلا، لا (رحمه اللَّه)، و قام في الملك من بعده ولده أبغاخان و كان أبغا أحد إخوة عشرة ذكور. و اللَّه سبحانه أعلم و هو حسبنا و نعم الوكيل.
ثم دخلت سنة خمس و ستين و ستمائة
في يوم الأحد ثانى المحرم توجه الملك الظاهر من دمشق إلى الديار المصرية و صحبته العساكر المنصورة، و قد استولت الدولة الإسلامية على بلاد سيس بكمالها، و على كثير من معاقل الفرنج في هذه السنة، و قد أرسل العساكر بين يديه إلى غزة، و عدل هو إلى ناحية الكرك لينظر في أحوالها، فلما كان عند بركة زيزى تصيد هنالك فسقط عن فرسه فانكسرت فخذه، فأقام هناك أياما يتداوى حتى أمكنه أن يركب في المحفة، و سار إلى مصر فبرأت رجله في أثناء الطريق فأمكنه الركوب وحده على الفرس. و دخل القاهرة في أبهة عظيمة، و تجمل هائل، و قد زينت البلد، و احتفل الناس له احتفالا عظيما، و فرحوا بقدومه و عافيته فرحا كثيرا، ثم في رجب منها رجع من القاهرة إلى صغد، و حفر خندقا حول قلعتها و عمل فيه بنفسه و أمرائه و جيشه و أغار على ناحية عكا، فقتل و أسر و غنم و سلم و ضربت لذلك البشائر بدمشق. و في ثانى عشر ربيع الأول صلى الظاهر بالجامع الأزهر الجمعة، و لم يكن تقام به الجمعة من زمن العبيديين إلى هذا الحين، مع أنه أول مسجد بنى بالقاهرة، بناه جوهر القائد و أقام فيه الجمعة، فلما بنى الحاكم جامعه حول الجمعة منه إليه، و ترك الأزهر لا جمعة فيه