البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٢٤ - المسند المعمر الرحالة
عوضا عن ناصر الدين ابن المقدسي، و فيه درس كمال الدين الطبيب بالمدرسة الدخوارية الطبية، و في هذا الشهر درس الشيخ جلال الدين الخبازى بالخاتونية البرانية، و جمال الدين بن الناصر بقي بالفتحية، و برهان الدين الإسكندري بالقوصية التي بالجامع، و الشيخ نجم الدين الدمشقيّ بالشريفية عند حارة الغرباء. و فيها أعيدت الناصرية إلى الفارقيّ و فيه درس بالأمينية القاضي نجم الدين ابن صصريّ بعد ابن الزملكانى، و أخذت منه العادلية الصغيرة لكمال الدين ابن الزملكانى.
و ممن توفى فيها من الأعيان:
أرغون بن أبغا ملك التتار
كان شهما شجاعا سفاكا للدماء، قتل عمه السلطان أحمد بن هولاكو، فعظم في أعين المغول فلما كان في هذه السنة مات من شراب شربه فيه سم، فاتهمت المغول اليهود به- و كان وزيره سعد الدولة ابن الصفي يهوديا- فقتلوا من اليهود خلقا كثيرا، و نهبوا منهم أموالا عظيمة جدا في جميع مدائن العراق، ثم اختلفوا فيمن يقيمونه بعده، فمالت طائفة إلى كيختو فأجلسوه على سرير المملكة، فبقي مدة، قيل سنة و قيل أقل من ذلك، ثم قتلوه و ملكوا بعده بيدرا. و جاء الخبر بوفاة أرغون إلى الملك الأشرف و هو محاصر عكا ففرح بذلك كثيرا، و كانت مدة ملك أرغون ثمان سنين، و قد وصفه بعض مؤرخي العراق بالعدل و السياسة الجيدة.
المسند المعمر الرحالة
فخر الدين بن النجار و هو أبو الحسن على بن أحمد بن عبد الواحد المقدسي الحنبلي المعروف بابن النجار، ولد في سلخ أو مستهل سنة ست و سبعين و خمسمائة، و سمع الكثير و رحل مع أهله، و كان رجلا صالحا عابدا زاهدا ورعا ناسكا، تفرد بروايات كثيرة لطول عمره، و خرجت له مشيخات و سمع منه الخلق الكثير و الجم الغفير، و كان منصوبا لذلك حتى كبر و أسنّ و ضعف عن الحركة، و له شعر حسن، منه قوله:
تكررت السنون على حتى* * * بليت و صرت من سقط المتاع
و قل النفع عندي غير أنى* * * أعلل بالرواية و السماع
فان يك خالصا فله جزاء* * * و إن يك مالقا فإلى ضياع
و له أيضا:
إليك اعتذاري من صلاتي قاعدا* * * و عجزي عن سعى إلى الجمعات
و تركي صلاة الفرض في كل مسجد* * * تجمع فيه الناس للصلوات
فيا رب لا تمقت صلاتي و نجنى* * * من النار و اصفح لي عن الهفوات
توفى ضحى نهار الأربعاء ثانى ربيع الآخر من هذه السنة، عن خمس و تسعين سنة، و حضر جنازته خلق كثير، و دفن عند والده الشيخ شمس الدين أحمد بن عبد الواحد بسفح قاسيون.