البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٢٧ - فتح قلعة الروم
الخزائن أتلف شيئا كثيرا من الذخائر و النفائس و الكتب. و في التاسع و العشرين من ربيع الأول خطب الخليفة الحاكم و حث في خطبته على الجهاد و النفير، و صلى بهم الجمعة و جهر بالبسملة. و في ليلة السبت ثالث عشر صفر جيء بهذا الجرز الأحمر الّذي بباب البرادة من عكا، فوضع في مكانه.
و في ربيع الأول كمل بناء الطارمة و ما عندها من الدور و القبة الزرقاء، و جاءت في غاية الحسن و الكمال و الارتفاع. و في يوم الاثنين ثانى جمادى الأولى ذكر الدرس بالظاهرية الشيخ صفى الدين محمد بن عبد الرحيم الأرموي، عوضا عن علاء الدين بن بنت الاعز. و في هذا اليوم درس بالدولعية كمال الدين بن الزكي. و في يوم الاثنين سابع جمادى الآخرة درس بالنجيبية الشيخ ضياء الدين عبد العزيز الطوسي، بمقتضى نزول الفارقيّ له عنها. و اللَّه أعلم بالصواب.
فتح قلعة الروم
و في ربيع الأول منها توجه السلطان الأشرف بالعساكر نحو الشام فقدم دمشق و معه وزيره ابن السلعوس فاستعرض الجيوش و أنفق فيهم أموالا جزيلة، ثم سار بهم نحو بلاد حلب، ثم سار إلى قلعة الروم فافتتحها بالسيف قهرا في يوم السبت حادي عشر رجب، و جاءت البشارة بذلك إلى دمشق، و زينت البلد سبعة أيام و بارك اللَّه لجيش المسلمين في سعيهم، و كان يوم السبت إلبا على أهل يوم الأحد، و كان الفتح بعد حصار عظيم جدا، مدة ثلاثين يوما، و كانت المنجنيقات تزيد على ثلاثين منجنيقا، و استشهد من الأمراء شرف الدين بن الخطير، و قد قتل من أهل البلد خلق كثير و غنم المسلمون منها شيئا كثيرا، ثم عاد السلطان إلى دمشق و ترك الشجاعي بقلعة الروم يعمرون ما وهى من قلعتها بسبب رمى المنجنيقات عليها وقت الحصار، و كان دخوله إلى دمشق بكرة يوم الثلاثاء تاسع عشر شعبان، فاحتفل الناس لدخوله و دعوا له و أحبوه، و كان يوما مشهودا بسط له كما يبسط له إذا قدم من الديار المصرية، و إنما كان ذلك بإشارة ابن السلعوس، فهو أول من بسط له، و قد كسر أبوه التتر على حمص و لم يبسط له، و كذلك الملك الظاهر كسر التتر و الروم على البلستين، و في غير موطن و لم يبسط له، و هذه بدعة شنعاء قد أحدثها هذا الوزير للملوك، و فيها إسراف و ضياع مال و أشر و بطر و رياء و تكليف للناس، و أخذ أموال و وضعها في غير مواضعها، و اللَّه سبحانه سائله عنها، و قد ذهب و تركها يتوارثها الملوك و الناس عنه، و قد حصل للناس بسبب ذلك ظلم عظيم، فليتق العبد ربه و لا يحدث في الإسلام بسبب هواه و مراد نفسه ما يكون سبب مقت اللَّه له، و إعراضه عنه، فان الدنيا لا تدوم لأحد، و لا يدوم أحد فيها و اللَّه سبحانه أعلم.
و كان ملك قلعة الروم مع السلطان أسيرا، و كذلك رءوس أصحابه، فدخل بهم دمشق و هم يحملون رءوس أصحابهم على رءوس الرماح، و جهز السلطان طائفة من الجيش نحو جبل كسروان و الجزر بسبب