البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٢٨ - ثم دخلت سنة ثمان و عشرين و ستمائة
بنحو من ثلاث سنين، و أقعد في آخر عمره فكان يحمل في محفة إلى الجامع و إلى دار الحديث النورية لإسماع الحديث، و انتفع به الناس مدة طويلة، و لما توفى حضر الناس جنازته و دفن عند أخيه الشيخ فخر الدين بن عساكر بمقابر الصوفية (رحمه اللَّه تعالى).
الشيخ بيرم المارديني
كان صالحا منقطعا محبا للعزلة عن الناس، و كان مقيما بالزاوية الغربية من الجامع، و هي التي يقال لها الغزالية، و تعرف بزاوية الدولعى و بزاوية القطب النيسابورىّ، و بزاوية الشيخ أبى نصر المقدسي، قاله الشيخ شهاب الدين أبو شامة، و كان يوم جنازته مشهودا، و دفن بسفح قاسيون (رحمه اللَّه تعالى) و عفا عنه بمنه و كرمه.
ثم دخلت سنة ثمان و عشرين و ستمائة
استهلت هذه السنة و الملك الأشرف موسى بن العادل مقيم بالجزيرة مشغول فيها بإصلاح ما كان جلال الدين الخوارزمي قد أفسده من بلاده، و قد قدمت التتار في هذه السنة إلى الجزيرة و ديار بكر فعاثوا بالفساد يمينا و شمالا، فقتلوا و نهبوا و سبوا على عادتهم خذلهم اللَّه تعالى. و فيها رتب إمام بمشهد أبى بكر من جامع دمشق و صليت فيه الصلوات الخمس. و فيها درس الشيخ تقى الدين بن الصلاح الشهرزوريّ الشافعيّ في المدرسة الجوانية في جانب المارستان في جمادى الأولى منها.
و فيها درس الناصر ابن الحنبلي بالصالحية بسفح قاسيون التي أنشأتها الخاتون ربيعة خاتون بنت أيوب أخت ست الشام.
و فيها حبس الملك الأشرف الشيخ على الحريري بقلعة عزّتا. و فيها كان غلاء شديد بديار مصر و بلاد الشام و حلب و الجزيرة بسبب قلة المياه السماوية و الأرضية، فكانت هذه السنة كما قال اللَّه تعالى وَ لَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَ الْجُوعِ وَ نَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَ الْأَنْفُسِ وَ الثَّمَراتِ وَ بَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ و ذكر ابن الأثير كلاما طويلا مضمونه خروج طائفة من التتار مرة أخرى من بلاد ما وراء النهر، و كان سبب قدومهم هذه السنة أن الإسماعيلية كتبوا إليهم يخبرونهم بضعف أمر جلال الدين بن خوارزم شاه. و أنه قد عادى جميع الملوك حوله حتى الخليفة، و أنه قد كسره الأشرف بن العادل مرتين، و كان جلال الدين قد ظهرت منه أفعال ناقصة تدل على قلة عقله، و ذلك أنه توفى له غلام خصى يقال له قلج، و كان يحبه، فوجد عليه وجدا عظيما بحيث إنه أمر الأمراء أن يمشوا بجنازته فمشوا فراسخ، و أمر أهل البلد أن يخرجوا بحزن و تعداد عليه فتوانى بعضهم في ذلك فهم بقتلهم حتى تشفع فيهم بعض الأمراء ثم لم يسمح بدفن قلج فكان يحمل معه بمحفة، و كلما أحضر بين يديه طعام يقول احملوا هذا إلى قلج