البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٢٩ - يحيى بن معطي بن عبد النور
فقال له بعضهم: أيها الملك إن قلج قد مات، فأمر بقتله فقتل، فكانوا بعد ذلك يقولون: قبله و هو يقبل الأرض، و يقول هو الآن أصلح مما كان- يعنى أنه مريض و ليس بميت- فيجد الملك بذلك راحة من قلة عقله و دينه قبحه اللَّه. فلما جاءت التتار اشتغل بهم و أمر بدفن قلج و هرب من بين أيديهم و امتلأ قلبه خوفا منهم، و كان كلما سار من قطر لحقوه إليه و خربوا ما اجتازوا به من الأقاليم و البلدان حتى انتهوا إلى الجزيرة و جاوزوها إلى سنجار و ماردين و آمد، يفسدون ما قدروا عليه قتلا و نهبا و أسرا، و تمزق شمل جلال الدين و تفرق عنه جيشه، فصاروا شذر مذر، و بدلوا بالأمن خوفا، و بالعز ذلا، و بالاجتماع تفريقا، فسبحان من بيده الملك لا إله إلا هو. و انقطع خبر جلال الدين فلا يدرى أين سلك، و لا أين ذهب، و تمكنت التتار من الناس في سائر البلاد لا يجدون من يمنعهم و لا من يردعهم، و ألقى اللَّه تعالى الوهن و الضعف في قلوب الناس منهم، كانوا كثيرا يقتلون الناس فيقول المسلم: لا باللَّه، لا باللَّه، فكانوا يلعبون على الخيل و يغنون و يحاكون الناس لا باللَّه لا باللَّه، و هذه طامة عظمي و داهية كبرى، ف إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ.
و حج الناس في هذه السنة من الشام و كان ممن حج فيها الشيخ تقى الدين أبو عمر بن الصلاح، ثم لم يحج الناس بعد هذه السنة أيضا لكثرة الحروب و الخوف من التتار و الفرنج، ف إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ. و فيها تكامل بناء المدرسة التي بسوق العجم ببغداد المنسوبة إلى إقبال الشرابي، و حضر الدرس بها، و كان يوما مشهودا، اجتمع فيه جميع المدرسين و المفتين ببغداد، و عمل بصحنها قباب الحلوى فحمل منها إلى جميع المدارس و الربط، و رتب فيها خمسة و عشرين فقيها لهم الجوامك الدارة في كل يوم، و الحلوى في أوقات المواسم، و الفواكه في زمانها، و خلع على المدرس و المعيدين و الفقهاء في ذلك اليوم، و كان وقتا حسنا تقبل اللَّه تعالى منه. و فيها سار الأشرف أبو العباس أحمد بن القاضي الفاضل في الرسلية عن الكامل محمد صاحب مصر إلى الخليفة المستنصر باللَّه، فأكرم و أعيد معظما.
و فيها دخل الملك المظفر أبو سعيد كوكبرى بن زين الدين صاحب إربل إلى بغداد و لم يكن دخلها قط، فتلقاه الموكب و شافهه الخليفة بالسلام مرتين في وقتين، و كان ذلك شرفا له غبطه به سائر ملوك الآفاق و سألوا أن يهاجروا ليحصل لهم مثل ذلك، فلم يمكنوا لحفظ الثغور، و رجع إلى مملكته معظما مكرما.
و ممن توفى فيها من الأعيان
يحيى بن معطي بن عبد النور
النحويّ صاحب الألفية و غيرها من المصنفات النحوية المفيدة، و يلقب زين الدين، أخذ عن الكندي و غيره، ثم سافر إلى مصر فكانت وفاته بالقاهرة في مستهل ذي الحجة من هذه السنة، و شهد جنازته الشيخ شهاب الدين أبو شامة، و كان قد رحل إلى مصر في هذه السنة، و حكى أن الملك الكامل شهد جنازته أيضا، و أنه دفن قريبا من قبر المزني بالقرافة في طريق الشافعيّ عن يسرة المار (رحمه اللَّه).