البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٢٣ - ذكر سلطنة الملك الظاهر بيبرس البندقداري
على قتله، فلما وصل إلى هذه المنزلة ضرب دهليزه و ساق خلف أرنب، و ساق معه أولئك الأمراء فشفع عنده ركن الدين بيبرس في شيء فشفعه، فأخذ يده ليقبلها فأمسكها و حمل عليه أولئك الأمراء بالسيوف فضربوه بها، و ألقوه عن فرسه و رشقوه بالنشاب حتى قتلوه (رحمه اللَّه)، ثم كروا راجعين إلى المخيم و بأيديهم السيوف مصلتة، فأخبروا من هناك بالخبر، فقال بعضهم من قتله؟ فقالوا: ركن الدين بيبرس، فقالوا أنت قتلته؟ فقال نعم، فقالوا أنت الملك إذا، و قيل لما قتل حار الأمراء بينهم فيمن يولون الملك، و صار كل واحد منهم يخشى غائلة ذلك، و أن يصيبه ما أصاب غيره سريعا، فاتفقت كلمتهم على أن بايعوا بيبرس البندقداري، و لم يكن هو من أكابر المقدمين، و لكن أرادوا أن يجربوا فيه، و لقبوه الملك الظاهر، فجلس على سرير المملكة و حكمه، و دقت البشائر و ضربت الطبول و البوقات و صفرت الشغابة، و زعقت الشاووشية بين يديه، و كان يوما مشهودا و توكل على اللَّه و استعان به، ثم دخل مصر و العساكر في خدمته، فدخل قلعة الجبل و جلس على كرسيها، فحكم و عدل و قطع و وصل و ولى و عزل، و كان شهما شجاعا أقامه اللَّه للناس لشدة احتياجهم إليه في هذا الوقت الشديد و الأمر العسير، و كان أولا لقب نفسه بالملك القاهر، فقال له الوزير: إن هذا اللقب لا يفلح من يلقب به. تلقب به القاهر بن المعتمد فلم تطل أيامه حتى خلع و سملت عيناه، و لقب به القاهر صاحب الموصل فسم فمات، فعدل عنه حينئذ إلى الملك الظاهر، ثم شرع في مسك من يرى في نفسه رئاسة من أكابر الأمراء حتى مهد الملك. و قد كان هولاكوخان لما بلغه ما جرى على جيشه من المسلمين بعين جالوت أرسل جماعة من جيشه الذين معه كثيرين ليستعيدوا الشام من أيدي المسلمين، فحيل بينهم و بين ما يشتهون فرجعوا إليه خائبين خاسرين، و ذلك أنه نهض إليهم الهزبر الكاسر و السيف الباتر الملك الظاهر، فقدم دمشق و أرسل العساكر في كل وجه لحفظ الثغور و المعاقل بالأسلحة، فلم يقدر التتار على الدنو إليه، و وجدوا الدولة قد تغيرت، و السواعد قد شمرت، و عناية اللَّه بالشام و أهله قد حصلت، و رحمته بهم قد نزلت، فعند ذلك نكصت شياطينهم على أعقابهم، و كروا راجعين القهقرى، و الحمد للَّه الّذي بنعمته تتم الصالحات. و قد كان الملك المظفر قطز (رحمه اللَّه) استناب على دمشق الأمير علم الدين سنجر الحلبي أحد الأتراك، فلما بلغه مقتل المظفر دخل القلعة و دعا لنفسه و تسمى بالملك المجاهد، فلما جاءت البيعة للملك الظاهر خطب له يوم الجمعة السادس من ذي الحجة فدعا الخطيب أولا للمجاهد ثم للظاهر ثانيا و ضربت السكة باسمهما معا، ثم ارتفع المجاهد هذا من البين كما سيأتي.
و قد اتفق في هذا العام أمور عجيبة، و هي أن أول هذه السنة كانت الشام للسلطان الناصر ابن العزيز، ثم في النصف من صفر صارت لهولاكو ملك التتار، ثم في آخر رمضان صارت للمظفر قطز