البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٨٣ - ابن إسرائيل الحريري
الظهير، ولد بإربل سنة ثنتين و ستمائة، ثم أقام بدمشق و درس بالقايمازية و أقام بها حتى توفى بها ليلة الجمعة ثانى عشر ربيع الآخر، و دفن بمقابر الصوفية، و كان بارعا في النحو و اللغة، و كانت له يد طولى في النظم و له ديوان مشهور، و شعر رائق، فمن شعره قوله:
كل حي إلى الممات مآبه* * * و مدى عمره سريع ذهابه
يخرب الدار و هي دار بقاء* * * ثم يبنى ما عما قريب خرابه
عجبا و هو في التراب غريق* * * كيف يلهيه طيبه و علابه؟
كل يوم يزيد نقصا و إن عمر* * * حلت أوصاله أوصابه
و الورى في مراحل الدهر ركب* * * دائم السير لا يرجى إيابه
فتزود إن التقى خير زاد* * * و نصيب اللبيب منه لبابة
و أخو العقل من يقضى بصدق* * * شيبته في صلاحه و شبابه
و أخو الجهل يستلذ هوى النفس* * * فيغدو شهدا لديه مصابه
و هي طويلة جدا قريبة من مائة و خمسين بيتا، و قد أورد الشيخ قطب الدين شيئا كثيرا من شعره الحسن الفائق الرائق.
ابن إسرائيل الحريري
محمد بن سوار بن إسرائيل بن الخضر بن إسرائيل بن الحسن بن على بن محمد بن الحسين نجم الدين أبو المعالي الشيباني الدمشقيّ، ولد في يوم الاثنين ثانى عشر ربيع الأول سنة ثلاث و ستمائة، و صحب الشيخ على بن أبى الحسن بن منصور اليسرى الحريري، في سنة ثمان عشرة، و كان قد لبس الخرقة قبله من الشيخ شهاب الدين السهروردي، و زعم أنه أجلسه في ثلاث خلوات، و كان ابن إسرائيل يزعم أن أهله قدموا الشام مع خالد بن الوليد فاستوطنوا دمشق، و كان أديبا فاضلا في صناعة الشعر، بارعا في النظم، و لكن في كلامه و نظمه ما يشير به إلى نوع الحلول و الاتحاد على طريقة ابن عربي و ابن الفارض و شيخه الحريري، و اللَّه أعلم بحاله و حقيقة أمره. توفى بدمشق ليلة الأحد الرابع عشر من ربيع الآخر هذه السنة، عن أربع و سبعين سنة، و دفن بتربة الشيخ رسلان معه داخل القبة، و كان الشيخ رسلان شيخ الشيخ على المغربل الّذي تخرج على يديه الشيخ على الحريري شيخ ابن إسرائيل، فمن شعره قوله:
لقد عادني من لا عج الشوق عائد* * * فهل عهد ذات الخال بالسفح عائد؟
و هل نارها بالأجرع الفرد تعتلى* * * لمنفرد شاب الدجى و هو شاهد؟
نديمى من سعدى أديرا حديثها* * * فذكرى هواها و المدامة واحد
منعمة الأطراف رقت محاسنا* * * حلى لي في حبها ما أكابد