البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٨٩ - عز الدين بن غانم الواعظ
الملك العادل سلامش ابن الظاهر، و أخرجوه من البين، و إنما كانوا قد بايعوه صورة ليسكن الشر عند خلع الملك السعيد، ثم اتفقوا على بيعة الملك المنصور قلاوون الصالحي، و لقبوه الملك المنصور، و جاءت البيعة إلى دمشق فوافق الأمراء و حلفوا، و ذكر أن الأمير شمس الدين سنقر الأشقر لم يحلف مع الناس و لم يرض بما وقع، و كأنه داخله حسد من المنصور، لأنه كان يرى أنه أعظم منه عند الظاهر. و خطب للمنصور على المنابر في الديار المصرية و الشامية، و ضربت السكة باسمه، و جرت الأمور بمقتضى رأيه فعزل و ولى و نفذت مراسيمه في سائر البلاد بذلك، فعزل عن الوزارة برهان الدين السنجاري و ولى مكانه فخر الدين ابن لقمان كاتب السر، و صاحب ديوان الإنشاء بالديار المصرية.
و في يوم الخميس الحادي عشر من ذي القعدة من هذه السنة توفى الملك السعيد ابن الملك الظاهر بالكرك و سيأتي ذكر ترجمته إن شاء اللَّه تعالى. و فيها حمل الأمير أيدمر الّذي كان نائب الشام في محفة لمرض لحقه إلى الديار المصرية، فدخلها في أواخر ذي القعدة، و اعتقل بقلعة مصر.
ذكر سلطنة سنقر الأشقر بدمشق
لما كان يوم الجمعة الرابع و العشرين من ذي القعدة ركب الأمير شمس الدين سنقر الأشقر من دار السعادة بعد صلاة العصر و بين يديه جماعة من الأمراء و الجند مشاة، و قصد باب القلعة الّذي يلي المدينة، فهجم منه و دخل القلعة و استدعى الأمراء فبايعوه على السلطنة، و لقب بالملك الكامل، و أقام بالقلعة و نادت المنادية بدمشق بذلك، فلما أصبح يوم السبت استدعى بالقضاة و العلماء و الأعيان و رؤساء البلد إلى مسجد أبى الدرداء بالقلعة، و حلفهم و حلف له بقية الأمراء و العسكر، و أرسل العساكر إلى غزة لحفظ الأطراف و أخذ الغلات، و أرسل الملك المنصور إلى الشوبك فتسلمها نوابه و لم يمانعهم نجم الدين خضر. و فيها جددت أربع أضلاع في قبة النسر من الناحية الغربية. و فيها عزل فتح الدين بن القيسراني من الوزارة بدمشق و وليها تقى الدين بن توبة التكريتي.
و ممن توفى فيها من الأعيان.
عز الدين بن غانم الواعظ
عبد السلام بن أحمد بن غانم بن على بن إبراهيم بن عساكر بن حسين عز الدين أحمد الأنصاري المقدسي، الواعظ المطبق المفلق الشاعر الفصيح، الّذي نسج على منوال ابن الجوزي و أمثاله، و قد أورد له قطب الدين أشياء حسنة كثيرة مليحة، و كان له قبول عند الناس، تكلم مرة تجاه الكعبة المعظمة، و كان في الحضرة الشيخ تاج الدين بن الفزاري و الشيخ تقى الدين بن دقيق العيد، و ابن العجيل من اليمن و غيرهم من العلماء و العباد، فأجاد و أفاد و خطب فأبلغ و أحسن. نقل هذا المجلس الشيخ تاج الدين بن الفزاري، و أنه كان في سنة خمس و سبعين.