البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٤٨ - ثم دخلت سنة خمس و ثلاثين و خمسمائة
خذوه فتسلموه فقتلوه، و لو طلبوا منى ملكي فداء له لدفعته إليهم، و لكن استحيت من اللَّه أن أعارض شرعه بحظ نفسي (رحمه اللَّه تعالى) و عفا عنه.
و لما ملك دمشق في سنة ست و عشرين و ستمائة نادى مناديه فيها أن لا يشتغل أحد من الفقهاء بشيء من العلوم سوى التفسير و الحديث و الفقه، و من اشتغل بالمنطق و علوم الأوائل نفى من البلد.
و كان البلد به في غاية الأمن و العدل، و كثرة الصدقات و الخيرات، كانت القلعة لا تغلق في ليالي رمضان كلها، و صحون الحلاوات خارجة منها إلى الجامع و الخوانق و الربط، و الصالحية و إلى الصالحين و الفقراء و الرؤساء و غيرهم، و كان أكثر جلوسه بمسجد أبى الدرداء الّذي جدده و زخرفه بالقلعة، و كان ميمون النقيبة ما كسرت له راية قط، و قد استدعى الزبيدي من بغداد حتى سمع هو و الناس عليه صحيح البخاري و غيره، و كان له ميل إلى الحديث و أهله، و لما توفى (رحمه اللَّه) رآه بعض الناس و عليه ثياب خضر و هو يطير مع جماعة من الصالحين، فقال: ما هذا و قد كنت تعانى الشراب في الدنيا؟
فقال ذاك البدن الّذي كنا نفعل به ذاك عندكم، و هذه الروح التي كنا نحب بها هؤلاء فهي معهم، و لقد صدق (رحمه اللَّه)،
قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) «المرء مع من أحب»
و قد كان أوصى بالملك من بعده لأخيه الصالح إسماعيل، فلما توفى أخوه ركب في أبهة الملك و مشى الناس بين يديه، و ركب إلى جانبه صاحب حمص و عز الدين أيبك المعظمي حامل الغاشية على رأسه، ثم إنه صادر جماعة من الدماشقة الذين قيل عنهم إنهم مع الكامل، منهم العالم تعاسيف و أولاد ابن مزهر و حبسهم ببصرى، و أطلق الحريري من قلعة عزاز، و شرط عليه أن لا يدخل دمشق، ثم قدم الكامل من مصر و انضاف اليه الناصر داود صاحب الكرك و نابلس و القدس، فحاصروا دمشق حصارا شديدا، و قد حصنها الصالح إسماعيل، و قطع المياه و رد الكامل ماء بردي إلى ثورا، و أحرقت العقبية و قصر حجاج، فافتقر خلق كثير و احترق آخرون، و جرت خطوب طويلة، ثم آل الحال في آخر جمادى الأولى إلى أن سلم الصالح إسماعيل دمشق إلى أخيه الكامل، على أن له بعلبكّ و بصرى، و سكن الأمر، و كان الصلح بينهما على يدي القاضي محيي الدين يوسف بن الشيخ أبى الفرج بن الجوزي، اتفق أنه كان بدمشق قد قدم في رسلية من جهة الخليفة إلى دمشق فجزاه اللَّه تعالى خيرا. و دخل الكامل دمشق و أطلق الفلك بن المسيري من سجن الحيات بالقلعة الّذي كان أودعه فيه الأشرف، و نقل الأشرف إلى تربته، و أمر الكامل في يوم الاثنين سادس جمادى الآخرة أئمة الجامع أن لا يصلى أحد منهم المغرب سوى الامام الكبير، لما كان يقع من التشويش و الاختلاف بسبب اجتماعهم في وقت واحد، و لنعم ما فعل (رحمه اللَّه). و قد فعل هذا في زماننا في صلاة التراويح، اجتمع الناس على قارئ واحد و هو الامام الكبير في المحراب المقدم عند المنبر، و لم يبق به إمام يومئذ سوى الّذي بالحلبية عند مشهد على