البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٤٧ - ثم دخلت سنة خمس و ثلاثين و خمسمائة
و اعتراه إسهال مفرط فخارت قوته فشرع في التهيؤ للقاء اللَّه عز و جل، فأعتق مائتي غلام و جارية، و وقف دار فروخ شاه التي يقال لها دار السعادة، و بستانه بالنيرب على ابنيه، و تصدق بأموال جزيلة، و أحضر له كفنا كان قد أعده من ملابس الفقراء و المشايخ الذين لقيهم من الصالحين. و قد كان (رحمه اللَّه تعالى) شهما شجاعا كريما جوادا لأهل العلم، لا سيما أهل الحديث، و مقاربيته الصالحة، و قد بنى لهم دار حديث بالسفح و بالمدينة للشافعية أخرى، و جعل فيها نعل النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) الّذي ما زال حريصا على طلبه من النظام ابن أبى الحديد التاجر، و قد كان النظام ضنينا به فعزم الأشرف أن يأخذ منه قطعة، ثم ترك ذلك خوفا من أن يذهب بالكلية، فقدر اللَّه موت ابن أبى الحديد بدمشق فأوصى للملك الأشرف به، فجعله الأشرف بدار الحديث، و نقل إليها كتبا سنية نفيسة، و بنى جامع التوبة بالعقبية، و قد كان خانا للزنجارى فيه من المنكرات شيء كثير، و بنى مسجد القصب و جامع جراح و مسجد دار السعادة، و قد كان مولده في سنة ست و سبعين و خمسمائة، و نشأ بالقدس الشريف بكفالة الأمير فخر الدين عثمان الزنجاري، و كان أبوه يحبه، و كذلك أخوه المعظم ثم استنابه أبوه على مدن كثيرة بالجزيرة منها الرها و حران، ثم اتسعت مملكته حين ملك خلاط، و كان من أعف الناس و أحسنهم سيرة و سريرة، لا يعرف غير نسائه و سراريه، مع أنه قد كان يعاني الشراب، و هذا من أعجب الأمور. حكى السبط عنه قال: كنت يوما بهذه المنظرة من خلاط إذ دخل الخادم فقال: بالباب امرأة تستأذن، فدخلت فإذا صورة لم أر أحسن منها، و إذا هي ابنة الملك الّذي كان بخلاط قبلي، فذكرت أن الحاجب عليّ قد استحوذ على قرية لها، و أنها قد احتاجت إلى بيوت الكرى، و أنها إنما تتقوت من عمل النقوش للنساء، فأمرت برد ضيعتها إليها و أمرت لها بدار تسكنها، و قد كنت قمت لها حين دخلت و أجلستها بين يدي و أمرتها بستر وجهها حين أسفرت عنه، و معها عجوز، فحين قضت شغلها قلت لها انهضى على اسم اللَّه تعالى، فقالت العجوز: يا خوند إنما جاءت لتحظى بخدمتك هذه الليلة، فقلت: معاذ اللَّه لا يكون هذا، و استحضرت في ذهني ابنتي ربما يصيبها نظير ما أصاب هذه، فقامت و هي تقول بالأرمني: سترك اللَّه مثل ما سترتني، و قلت لها:
مهما كان من حاجة فانهيها إلى أقضها لك، فدعت لي و انصرفت، فقالت لي نفسي: في الحلال مندوحة عن الحرام، فتزوجها، فقلت: لا و اللَّه لا كان هذا أبدا، أين الحياء و الكرم و المروءة؟ قال:
و مات مملوك من مماليكي و ترك ولدا ليس يكون في الناس بتلك البلاد أحسن شبابا، و لا أحلى شكلا منه، فأحببته و قربته، و كان من لا يفهم أمرى يتهمني به، فاتفق أنه عدا على إنسان فضربه حتى قتله، فاشتكى عليه إلى أولياء المقتول، فقلت اثبتوا أنه قتله، فأثبتوا ذلك فحاجفت عنه مماليكي و أرادوا إرضاءهم بعشر ديات فلم يقبلوا، و وقفوا لي في الطريق و قالوا قد أثبتنا أنه قتله، فقلت