البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٦ - فصل
و خضعوا لديه، و دخلوا عليه في الصلح، و أن تضع الحرب أوزارها بينهم و بينه، فأجابهم إلى ما سألوا على الوجه الّذي أراده، لا على ما يريدونه، و كان ذلك من جملة الرحمة التي رحم اللَّه بها المؤمنين، فإنه ما انقضت تلك السنون حتى ملك البلاد أخوه العادل فعز به المسلمون و ذل به الكافرون، و كان سخيا جبيا ضحوك الوجه كثير البشر، لا يتضجر من خير يفعله، شديد المصابرة على الخيرات و الطاعات، ف(رحمه اللَّه) [و قد ذكر الشيخ شهاب الدين أبو شامة طرفا صالحا من سيرته و أيامه، و عدله في سريرته و علانيته، و أحكامه.
فصل
[١] و كان قد قسم البلاد بين أولاده، فالديار المصرية لولده العزيز عماد الدين أبى الفتح، و دمشق و ما حولها لولده الأفضل نور الدين على، و هو أكبر أولاده، و المملكة الحلبية لولده الظاهر غازى غياث الدين، و لأخيه العادل الكرك و الشوبك و بلاد جعبر و بلدان كثيرة قاطع الفرات، و حماه و معاملة أخرى معها للملك المنصور محمد بن تقى الدين عمر بن أخى السلطان، و حمص و الرحبة و غيرها لأسد الدين بن شيركوه بن ناصر الدين بن محمد بن أسد الدين شيركوه الكبير، نجم الدين أخى أبيه نجم الدين أيوب. و اليمن بمعاقله و مخاليفه جميعه في قبضة السلطان ظهير الدين سيف الإسلام طغتكين ابن أيوب، أخى السلطان صلاح الدين، و بعلبكّ و أعمالها للامجد بهرام شاه بن فروخ شاه، و بصرى و أعمالها للظافر بن الناصر. ثم شرعت الأمور بعد موت صلاح الدين تضطرب و تختلف في جميع هذه الممالك، حتى آل الأمر و استقرت الممالك و اجتمعت الكلمة على الملك العادل أبى بكر صلاح الدين، و صارت المملكة في أولاده كما سيأتي قريبا إن شاء اللَّه تعالى.
و فيها جدد الخليفة الناصر لدين اللَّه خزانة كتب المدرسة النظامية ببغداد، و نقل إليها ألوفا من الكتب الحسنة المثمنة و في المحرم منها جرت ببغداد كائنة غريبة و هي أن ابنة لرجل من التجار في الطحين عشقت غلام أبيها فلما علم أبوها بأمرها طرد الغلام من داره فواعدته البنت ذات ليلة أن يأتيها فجاء إليها مختفيا فتركته في بعض الدار، فلما جاء أبوها في أثناء الليل أمرته فنزل فقتله، و أمرته بقتل أمها و هي حبلى، و أعطته الجارية حليا بقيمة ألفى دينار، فأصبح أمره عند الشرطة فمسك و قتل قبحه اللَّه، و قد كان سيده من خيار الناس و أكثرهم صدقة و برا، و كان شابا وضيء الوجه (رحمه اللَّه).
و فيها درس بالمدرسة الجديدة عند قبر معروف الكرخي الشيخ أبو على التويابى و حضر عنده القضاة و الأعيان، و عمل بها دعوة حافلة.
[١] بدل ما بين القوسين بياض بالنسخة المصرية.