البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٥ - ذكر تركته و شيء من ترجمته
الدين أبو الفتح ملك شاه، ولد في رجب سنة ثمان و سبعين و هو شقيق المعظم، ثم المنصور أبو بكر أخو المعظم لأبويه، ولد بحران بعد وفاة السلطان، ثم عماد الدين شادى لأم ولد، و نصير الدين مروان لأم ولد أيضا. و أما البنت فهي مؤنسة خاتون تزوجها ابن عمها الملك الكامل محمد بن العادل أبى بكر ابن أيوب (رحمهم اللَّه تعالى).
و إنما لم يخلف أموالا و لا أملاكا لجوده و كرمه و إحسانه إلى أمرائه و غيرهم، حتى إلى أعدائه، و قد تقدم من ذلك ما يكفى، و قد كان متقللا في ملبسه، و مأكله و مركبه، و كان لا يلبس إلا القطن و الكتان و الصوف، و لا يعرف أنه تخطي إلى مكروه، و لا سيما بعد أن أنعم اللَّه عليه بالملك، بل كان همه الأكبر و مقصده الأعظم نصرة الإسلام، و كسر أعدائه اللئام، و كان يعمل رأيه في ذلك وحده، و مع من يثق به ليلا و نهارا، و هذا مع ما لديه من الفضائل و الفواضل، و الفوائد الفرائد، في اللغة و الأدب و أيام الناس، حتى قيل إنه كان يحفظ الحماسة بتمامها، و كان مواظبا على الصلوات في أوقاتها في الجماعة، يقال إنه لم تفته الجماعة في صلاة قبل وفاته بدهر طويل، حتى و لا في مرض موته، كان يدخل الامام فيصلي به، فكان يتجشم القيام مع ضعفه، و كان يفهم ما يقال بين يديه من البحث و المناظرة، و يشارك في ذلك مشاركة قريبة حسنة، و إن لم يكن بالعبارة المصطلح عليها، و كان قد جمع له القطب النيسابورىّ عقيدة فكان يحفظها و يحفظها من عقل من أولاده، و كان يحب سماع القرآن و الحديث و العلم، و يواظب على سماع الحديث، حتى أنه يسمع في بعض مصافه جزء و هو بين الصفين فكان يتبحبح بذلك و يقول: هذا موقف لم يسمع أحد في مثله حديثا، و كان ذلك بإشارة العماد الكاتب.
و كان رقيق القلب سريع الدمعة عند سماع الحديث، و كان كثير التعظيم لشرائع الدين. كان قد صحب ولده الظاهر و هو بحلب شاب يقال له الشهاب السهروردي، و كان يعرف الكيميا و شيئا من الشعبذة و الأبواب النيرنجيات، فافتتن به ولد السلطان الظاهر، و قربه و أحبه، و خالف فيه حملة الشرع، فكتب إليه أن يقتله لا محالة، فصلبه عن أمر والده و شهره، و يقال بل حبسه بين حيطين حتى مات كمدا، و ذلك في سنة ست و ثمانين و خمسمائة، و كان من أشجع الناس و أقواهم بدنا و قلبا، مع ما كان يعترى جسمه من الأمراض و الأسقام، و لا سيما في حصار عكا، فإنه كان مع كثرة جموعهم و أمدادهم لا يزيده ذلك إلا قوة و شجاعة، و قد بلغت جموعهم خمسمائة ألف مقاتل، و يقال ستمائة ألف، فقتل منهم مائة ألف مقاتل.
و لما انفصل الحرب و تسلموا عكا و قتلوا من كان بها من المسلمين و ساروا برمتهم إلى القدس جعل يسايرهم منزلة منزلة، و جيوشهم أضعاف أضعاف من معه، و مع هذا نصره اللَّه و خذلهم، و سبقهم إلى القدس فصانه و حماه منهم، و لم يزل بجيشه مقيما به يرهبهم و يرعبهم و يغلبهم و يسلبهم حتى تضرعوا إليه