البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٨٨ - ذكر بيعة الملك المنصور قلاوون الصالحي
و كثرتهم، فركب الجيش و ساروا قاصدين مرج الصفر، و لم يمكنهم العبور على دمشق بل أخذوا من شرقها، فلما اجتمعوا كلهم بمرج الصفر أرسل السلطان أمه إليهم فتلقوها و قبلوا الأرض بين يديها، فأخذت تتألفهم و تصلح الأمور، فأجابوها و اشترطوا شروطا على ولدها السلطان، فلما رجعت إليه لم يلتزم بها و لم تمكنه الخاصكية من ذلك، فسارت العساكر إلى الديار المصرية، فساق السلطان خلفهم ليتلافى الأمور قبل تفاقمها و انفراطها، فلم يلحقهم و سبقوه إلى القاهرة، و قد كان أرسل أولاده و أهله و ثقله إلى الكرك فحصنهم فيها، و ركب في طائفة من الجيش الذين بقوا معه و الخاصكية إلى الديار المصرية، فلما اقترب منها صدوه عنها و قاتلوه فقتل من الفريقين نفر يسير، فأخذه بعض الأمراء فشق به الصفوف و أدخله قلعة الجبل ليسكن الأمر، فما زادهم ذلك إلا نفورا، فحاصروا حينئذ القلعة و قطعوا عنها الماء، و جرت خطوب طويلة و أحوال صعبة. ثم اتفق الحال بعد ذلك مع الأمير سيف الدين قلاوون الألفي الصالحي- و هو المشار إليه حينئذ- أن يترك الملك السعيد الملك و يتعوض بالكرك و الشوبك، و يكون في صحبته أخوه نجم الدين خضر، و تكون المملكة إلى أخيه الصغير بدر الدين سلامش، و يكون الأمير سيف الدين قلاوون أتابكه.
ذكر خلع الملك السعيد و تولية أخيه الملك العادل سلامش
لما اتفق الحال على ما ذكرنا نزل السلطان الملك السعيد من القلعة إلى دار العدل في سابع عشر الشهر، و هو ربيع الآخر، و حضر القضاة و الدولة من أولى الحل و العقد، فخلع السعيد نفسه من السلطنة و أشهدهم على نفسه بذلك، و بايعوا أخاه بدر الدين سلامش و لقب بالملك العادل، و عمره يومئذ سبع سنين، و جعلوا أتابكه الأمير سيف الدين قلاوون الألفي الصالحي، و خطب له الخطباء و رسمت السكة باسمهما، و جعل لأخيه الكرك و لأخيه خضر الشوبك، و كتبت بذلك مكاتيب، و وضع القضاة و المفتون خطوطهم بذلك، و جاءت البريدية إلى الشام بالتحليف لهم على ما حلف عليه المصريون. و مسك الأمير أيدمر نائب الشام الظاهري و اعتقل بالقلعة عند نائبها، و كان نائبها إذ ذاك علم الدين سنجر الدواداريّ، و أحيط على أموال نائب الشام و حواصله، و جاء على نيابة الشام الأمير شمس الدين سنقر الأشقر في أبهة عظيمة، و تحكم مكين، فنزل بدار السعادة و عظمه الناس و عاملوه معاملة الملوك، و عزل السلطان قضاة مصر الثلاثة الشافعيّ و الحنفي و المالكي، و ولوا القضاء صدر الدين عمر بن القاضي تاج الدين بن بنت الاعز عوضا عن الشافعيّ، و هو تقى الدين بن رزين و كأنهم إنما عزلوه لانه توقف في خلع الملك السعيد و اللَّه أعلم.
ذكر بيعة الملك المنصور قلاوون الصالحي
لما كان يوم الثلاثاء الحادي و العشرين من رجب اجتمع الأمراء بقلعة الجبل من مصر و خلعوا