البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٢ - السلطان علاء الدين خوارزم شاه
الجزيرة و الرها و حران، فعند ذلك انصرف العساكر المصرية، و تفرقوا أيادي سبا، فرجع الظاهر إلى حلب و الأسد إلى حمص، و الأفضل إلى مصر، و سلم العادل من كيد الأعادي، بعد ما كان قد عزم على تسليم البلد. و سارت الأمراء الناصرية خلف الأفضل ليمنعوه من الدخول إلى القاهرة، و كاتبوا العادل أن يسرع السير إليهم، فنهض إليهم سريعا فدخل الأفضل مصر و تحصن بقلعة الجبل، و قد اعتراه الضعف و الفشل، و نزل العادل على البركة و أخذ ملك مصر و نزل إليه ابن أخيه الأفضل خاضعا ذليلا، فأقطعه بلادا من الجزيرة، و نفاه من الشام لسوء السيرة، و دخل العادل القلعة و أعاد القضاء إلى صدر الدين عبد الملك بن درباس المارداني الكردي، و أبقى الخطبة و السكة باسم ابن أخيه المنصور، و العادل مستقل بالأمور، و استوزر الصاحب صفى الدين بن شكر لصرامته و شهامته، و سيادته و ديانته، و كتب العادل إلى ولده الكامل يستدعيه من بلاد الجزيرة ليملكه على مصر، فقدم عليه فأكرمه و احترمه و عانقه و التزمه، و أحضر الملك الفقهاء و استفتاهم في صحة مملكة ابن أخيه المنصور بن العزيز، و كان ابن عشر سنين، فأفتوا بأن ولايته لا تصح لأنه متولى عليه، فعند ذلك طلب الأمراء و دعاهم إلى مبايعته فامتنعوا فأرغبهم و أرهبهم، و قال فيما قال: قد سمعتم ما أفتى به العلماء، و قد علمتم أن ثغور المسلمين لا يحفظها الأطفال الصغار، و إنما يحفظها الملوك الكبار، فأذعنوا عند ذلك و بايعوه، ثم من بعده لولده الكامل، فخطب الخطباء بذلك بعد الخليفة لهما، و ضربت السكة باسمهما، و استقرت دمشق باسم المعظم عيسى بن العادل، و مصر باسم الكامل.
و في شوال رجع إلى دمشق الأمير ملك الدين أبو منصور سليمان بن مسرور بن جلدك، و هو أخو الملك العادل لأمه، و هو واقف الفلكية داخل باب الفراديس، و بها قبره، فأقام بها محترما معظما إلى أن توفى في هذه السنة. و فيها و في التي بعدها كان بديار مصر غلاء شديد، فهلك بسببه الغنى و الفقير، و هرب الناس منها نحو الشام فلم يصل إليها إلا القليل، و تخطفهم الفرنج من الطرقات و غروهم من أنفسهم و اغتالوهم بالقليل من الأقوات، و أما بلاد العراق فإنه كان مرخصا. قال ابن الساعي: و في هذه السنة باض ديك ببغداد فسألت جماعة عن ذلك فأخبروني به.
و ممن توفى فيها من الأعيان.
السلطان علاء الدين خوارزم شاه
ابن تكش بن ألب رسلان من ولد طاهر بن الحسين، و هو صاحب خوارزم و بعض بلاد خراسان و الري و غيرها من الأقاليم المتسعة، و هو الّذي قطع دولة السلاجقة، كان عادلا حسن السيرة له معرفة جيدة بالموسيقى، حسن المعاشرة، فقيها على مذهب أبى حنيفة، و يعرف الأصول، و بنى