البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٨٨ - ثم دخلت سنة سبع عشرة و ستمائة
ملكوا أكثر المعمور من الأرض و أطيبه و أحسنه عمارة و أكثره أهلا و أعدلهم أخلاقا و سيرة في نحو سنة، و لم يتفق لأحد من أهل البلاد التي لم يطرقوها بقاء إلا و هو خائف مترقب وصولهم، و هم مع ذلك يسجدون للشمس إذا طلعت، و لا يحرمون شيئا، و يأكلون ما وجدوه من الحيوانات و الميتات لعنهم اللَّه تعالى. قال: و إنما استقام لهم هذا الأمر لعدم المانع لأن السلطان خوارزم شاه محمدا كان قد قتل الملوك من سائر الممالك و استقر في الأمور، فلما انهزم منهم في العام الماضي و ضعف عنهم و ساقوا وراءه فهرب فلا يدرى أين ذهب، و هلك في بعض جزائر البحر، خلت البلاد و لم يبق لها من يحميها لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا، وَ إِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ. ثم شرع في تفصيل ما ذكره مجملا، فذكر أولا ما قدمنا ذكره في العام الماضي من بعث جنكزخان أولئك التجار بمال له ليأتونه بثمنه كسوة و لباسا، و أخذ خوارزم شاه تلك الأموال فحنق عليه جنكزخان و أرسل يهدده فسار إليه خوارزم شاه بنفسه و جنوده فوجد التتار مشغولين بقتال كشلى خان، فنهب أثقالهم و نساءهم و أطفالهم فرجعوا و قد انتصروا على عدوهم، و ازدادوا حنقا و غيظا، فتواقعوا هم و إياه و ابن جنكزخان ثلاثة أيام فقتل من الفريقين خلق كثير، ثم تحاجزوا و رجع خوارزم شاه إلى أطراف بلاده فحصنها ثم كر راجعا إلى مقره و مملكته بمدينة خوارزم شاه، فأقبل جنكزخان فحصر بخارا كما ذكرنا فافتتحها صلحا و غدر بأهلها حتى افتتح قلعتها قهرا و قتل الجميع، و أخذ الأموال و سبى النساء و الأطفال و خرب الدور و المحال، و قد كان بها عشرون ألف مقاتل، فلم يغن عنهم شيئا، ثم سار إلى سمرقند فحاصرها في أول المحرم من هذه السنة و بها خمسون ألف مقاتل من الجند فنكلوا و برز إليهم سبعون ألفا من العامة فقتل الجميع في ساعة واحدة و ألقى إليه الخمسون ألف السلم فسلبهم سلاحهم و ما يمتنعون به، و قتلهم في ذلك اليوم و استباح البلد فقتل الجميع و أخذ الأموال و سبى الذرية و حرقة و تركه بلاقع، ف إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ، و أقام لعنه اللَّه هنالك و أرسل السرايا إلى البلدان فأرسل سرية إلى بلاد خراسان و تسميها التتار المغربة، و أرسل أخرى وراء خوارزم شاه، و كانوا عشرين ألفا قال اطلبوه فأدركوه و لو تعلق بالسماء فساروا وراءه فأدركوه و بينهم و بينه نهر جيحون و هو آمن بسببه، فلم يجدوا سفنا فعملوا لهم أحواضا يحملون عليها الأسلحة و يرسل أحدهم فرسه و يأخذ بذنبها فتجره الفرس بالماء و هو بحر الحوض الّذي فيه سلاحه، حتى صاروا كلهم في الجانب الآخر، فلم يشعر بهم خوارزم شاه إلا و قد خالطوه، فهرب منهم إلى نيسابور ثم منها إلى غيرها و هم في أثره لا يمهلونه يجمع لهم فصار كلما أتى بلدا ليجتمع فيه عساكره له يدركونه فيهرب منهم، حتى ركب في بحر طبرستان و سار إلى قلعة في جزيرة فيه فكانت فيها وفاته، و قيل إنه لا يعرف بعد ركوبه في البحر ما كان من أمره بل ذهب فلا يدرى أين ذهب، و لا إلى أي مفر هرب، و ملكت التتار حواصله فوجدوا في خزانته عشرة آلاف