البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٥٢ - ثم دخلت سنة ست و ستمائة
منزلته ببذلها. و يعود على حاله كما كان مباشره لما بذلها، فليحذر العبد الدنيا فإنها خداعة غرارة تسترق فحول العلماء و العباد، و قد وقع ابن الجوزي فيما بعد فيما وقع فيه السهروردي و أعظم. و فيها قصدت الفرنج حمص و عبروا على العاصي يجسر عدوة، فلما عرف بهم العساكر ركبوا في آثارهم فهربوا منهم فقتلوا خلقا كثيرا منهم و غنم المسلمون منهم غنيمة جيدة و للَّه الحمد.
و فيها قتل صاحب الجزيرة، و كان من أسوأ الناس سيرة و أخبثهم سريرة، و هو الملك سنجر شاه بن غازى بن مودود بن زنكي بن آقسنقر الأتابكى، ابن عم نور الدين صاحب الموصل، و كان الّذي تولى قتله ولده غازى، توصل إليه حتى دخل عليه و هو في الخلاء سكران، فضربه بسكين أربع عشرة ضربة، ثم ذبحه، و ذلك كله ليأخذ الملك من بعده فحرمه اللَّه إياه، فبويع بالملك لأخيه محمود و أخذ غازى القاتل فقتله من يومه، فسلبه اللَّه الملك و الحياة، و لكن أراح اللَّه المسلمين من ظلم أبيه و غشمه و فسقه.
و فيها توفى من الأعيان.
أبو الفتح محمد بن أحمد بن بختيار
ابن على الواسطي المعروف بابن السنداى، آخر من روى المسند عن أحمد بن الحصين، و كان من بيت فقه و قضاء و ديانة، و كان ثقة عدلا متورعا في النقل، و مما أنشده من حفظه:
و لو أن ليلى مطلع الشمس دونها* * * و كانت من وراء الشمس حين تغيب
لحدثت نفسي بانتظار نوالها* * * و قال المنى لي: إنها لقريب
قاضى القضاة بمصر
صدر الدين عبد الملك بن درباس المارداني الكردي و اللَّه أعلم.
ثم دخلت سنة ست و ستمائة
في المحرم وصل نجم الدين خليل شيخ الحنفية من دمشق إلى بغداد في الرسلية عن العادل، و معه هدايا كثيرة، و تناظر هو و شيخ النظامية مجد الدين يحيى بن الربيع في مسألة وجوب الزكاة في مال اليتيم و المجنون، و أخذ الحنفي يستدل على عدم وجوبها، فاعترض عليه الشافعيّ فأجاد كل منهما في الّذي أورده، ثم خلع على الحنفي و أصحابه بسبب الرسالة، و كانت المناظرة بحضرة نائب الوزير ابن شكر. و في يوم السبت خامس جمادى الآخرة وصل الجمال يونس بن بدران المصري رئيس الشافعية بدمشق إلى بغداد في الرسلية عن العادل، فتلقاه الجيش مع حاجب الحجاب، و دخل معه ابن أخى صاحب إربل مظفر الدين كوكرى، و الرسالة تتضمن الاعتذار عن صاحب إربل و السؤال في الرضا عنه، فأجيب إلى ذلك. و فيها ملك العادل الخابور و نصيبين و حاصر مدينة سنجار مدة فلم يظفر بها ثم صالح صاحبها و رجع عنها.