البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣١٤ - العالم ابن الصاحب
الشجاعي، فصادر جماعة و جمع أموالا كثيرة، و حصل بسبب ذلك أذى الخلق، و بئس هذا الصنيع فان ذلك تعجيل لدمار الظالم و هلاكه، فلم يغن عن المنصور ما جمع له الشجاعي من الأموال شيئا، فإنه لم يعش بعد ذلك إلا اليسير حتى أخذه اللَّه أخذ القرى و هي ظالمة، كما سيأتي. ثم سافر السلطان في ثانى شعبان بجيشه إلى الديار المصرية، فدخلها في أواخر شعبان. و فيها فتحت قلاع كثيرة بناحية حلب: كركر، و تلك النواحي، و كسرت طائفة من التتر هناك، و قتل ملكهم خربندا نائب التتر على ملطية.
و فيها تولى الحسبة بدمشق جمال الدين يوسف بن التقى توبة التكريتي ثم أخذها بعد شهور تاج الدين الشيرازي. و فيها وضع منبر عند محراب الصحابة بسبب عمارة كانت في المقصورة، فصلى برهان الدين الإسكندري نائب الخطيب بالناس هناك مدة شهر، الجماعات و الجمعات، ابتدءوا ذلك من يوم الجمعة الثاني و العشرين من ذي الحجة.
و ممن توفى فيها من الأعيان
الشيخة فاطمة بنت الشيخ إبراهيم الزعيبى
زوجة النجم بن إسرائيل، كانت من بيت الفقر، لها سلطنة و إقدام و ترجمة و كلام في طريقة الحريرية و غيرهم، و حضر جنازتها خلق كثير، و دفنت عند الشيخ رسلان.
العالم ابن الصاحب
الشيخ الماجن، هو الشيخ الفاضل علم الدين أحمد بن يوسف بن عبد اللَّه بن شكر، كان من بيت علم و رياسة، و قد درس في بعض المدارس، و كانت له وجاهة و رياسة، ثم ترك ذلك كله و أقبل على الحرفشة و صحبة الحرافيش و التشبه بهم في اللباس و الطريقة، و أكل الحشيش و استعمله، كان من الفهم في الخلاعة و المجون و الزوائد الرائقة الفائقة التي لا يلحق في كثير منها، و قد كان له أولاد فضلاء ينهونه عن ذلك فلم يلتفت إليهم، و لم يزل ذلك دأبه حتى توفى ليلة الجمعة الحادي و العشرين من ربيع الأول. و لما ولى القضاة الأربعة كان ابن خالته تاج الدين بن بنت الأعز مستقلا في القضاء قبل ذلك، فقال له ابن الصاحب المذكور: ما مت حتى رأيتك صاحب ربع، فقال له: تسكت و إلا خليتهم يسقونك السم، فقال له: في قلة دينك تفعل، و في قلة عقولهم يسمعوا منك، و قال يمدح الحشيشة الخسيسة:
في خمار الحشيش معنى مرامي* * * يا أهيل العقول و الافهام
حرموها عن غير عقل و نقل* * * و حرام تحريم غير الحرام
و له أيضا:
يا نفس ميلى إلى التصابي* * * فاللهو منه الفتى يعيش
و لا تملى من سكر يوم* * * إن أعوز الخمر فالحشيش