البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٠٠ - الشيخ الامام موفق الدين عبد اللَّه بن أحمد
إمام عالم بارع. لم يكن في عصره، بل و لا قبل دهره بمدة أفقه منه، ولد بجماعيل في شعبان سنة إحدى و أربعين و خمسمائة، و قدم مع أهله إلى دمشق في سنة إحدى و خمسين، و قرأ القرآن و سمع الحديث الكثير، و رحل مرتين إلى العراق إحداهما في سنة إحدى و ستين مع ابن عمه الحافظ عبد الغنى، و الأخرى سنة سبع و ستين، و حج في سنة ثلاث و سبعين، و تفقه ببغداد على مذهب الامام أحمد، و برع و أفتى و ناظر و تبحر في فنون كثيرة، مع زهد و عبادة و ورع و تواضع و حسن أخلاق و جود و حياء و حسن سمت و نور و بهاء و كثرة تلاوة و صلاة و صيام و قيام و طريقة حسنة و اتباع للسلف الصالح، و كانت له أحوال و مكاشفات، و قد قال الشافعيّ (رحمه اللَّه تعالى): إن لم تكن العلماء العاقلون أولياء اللَّه فلا أعلم للَّه وليا، و كان يؤم الناس للصلاة في محراب الحنابلة هو و الشيخ العماد، فلما توفى العماد استقل هو بالوظيفة، فان غاب صلى عنه أبو سليمان ابن الحافظ عبد الرحمن بن الحافظ عبد الغنى، و كان يتنفل بين العشاءين بالقرب من محرابه، فإذا صلى العشاء انصرف إلى منزله بدرب الدولعى بالرصيف و أخذ معه من الفقراء من تيسر يأكلون معه من طعامه، و كان منزله الأصلي بقاسيون فينصرف بعض الليالي بعد العشاء إلى الجبل، فاتفق في بعض الليالي أن خطف رجل عمامته و كان فيها كاغد فيه رمل، فقال له الشيخ: خذ الكاغد و ألق العمامة، فظن الرجل أن ذلك نفقة فأخذه و ألقى العمامة.
و هذا يدل على ذكاء مفرط و استخصار حسن في الساعة الراهنة، حتى خلص عمامته من يده بتلطف.
و له مصنفات عديدة مشهورة، منها المغنى في شرح مختصر الخرقى في عشرة مجلدات، و الشافي في مجلدين و المقنع للحفظ، و الروضة في أصول الفقه، و غير ذلك من التصانيف المفيدة، و كانت وفاته في يوم عيد الفطر في هذه السنة، و قد بلغ الثمانين، و كان يوم سبت و حضر جنازته خلق كثير، و دفن بتربته المشهورة، و رئيت له منامات صالحة (رحمه اللَّه تعالى)، و كان له أولاد ذكور و إناث، فلما كان حيا ماتوا في حياته. و لم يعقب منهم سوى ابنه عيسى ولدين ثم ماتا و انقطع نسله، قال أبو المظفر سبط ابن الجوزي: نقلت من خط الشيخ موفق (رحمه اللَّه تعالى):
لا تجلسن بباب من* * * يأبى عليك وصول داره
و تقول حاجاتي إليه* * * يعوقها إن لم أداره
و اتركه و اقصد ربها* * * تقضى و رب الدار كاره
و مما أنشده الشيخ موفق الدين لنفسه (رحمه اللَّه تعالى) و رضى عنه قوله:
أبعد بياض الشعر أعمر مسكنا* * * سوى القبر، إني إن فعلت لأحمق
يخبرني شيبى بأنى ميت* * * وشيكا، فينعانى إلى و يصدق
يخرق عمري كل يوم و ليلة* * * فهل مستطاع رقع ما يتخرق