البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣١٧ - السلطان الملك المنصور قلاوون
بذلك حلف له الأمراء بالشام، و قبض على حسام الدين طرقطاى نائب أبيه و أخذ منه أموالا جزيلة أنفق منها على العساكر.
و فيها ولى خطابة دمشق زين الدين عمر بن مكي بن المرحل عوضا عن جمال الدين بن عبد الكافي و كان ذلك بمساعدة الأعسر، و تولى نظر الجامع الرئيس وجيه الدين بن المنجي الحنبلي، عوضا عن ناصر الدين بن المقدسي، و ثمر وقفه و عمره و زاد مائة و خمسين ألفا. و فيها احترقت دار صاحب حماة، و ذلك أنه وقع فيها نار في غيبته فلم يتجاسر أحد يدخلها، فعملت النار فيها يومين فاحترقت و احترق كل ما فيها.
و في شوال درس بتربة أم الصالح بعد ابن المقدسي القاضي إمام الدين القونوي، و فيها باشر الشرف حسين بن أحمد بن الشيخ أبى عمر قضاء الحنابلة عوضا عن ابن عمه نجم الدين بن شيخ الجبل، عن مرسوم الملك المنصور قبل وفاته. و حج بالناس في هذه السنة من الشام الأمير بدر الدين بكتوت الدوباسى، و حج قاضى القضاة شهاب الدين بن الخوى، و شمس الدين بن السلعوس و مقدم الركب الأمير عتبة، فتوهم منه أبو نمى، و كان بينهما عداوة، فأغلق أبواب مكة و منع الناس من دخولها فأحرق الباب و قتل جماعة و نهب بعض الأماكن، و جرت خطوب فظيعة، ثم أرسلوا القاضي ابن الخوى ليصلح بين الفريقين، و لما استقر عند أبى نمى رحل الركوب و بقي هو في الحرم وحده و أرسل معه أبو نمى من ألحقه بهم سالما معظما. و جاء الخبر بموت المنصور إلى الناس و هم بعرفات و هذا شيء عجيب. و جاء كتاب يستحث الوزير ابن السلعوس في المسير إلى الديار المصرية، و بين الأسطر بخط الملك الأشرف: يا شقير يا وجه الخير احضر لتستلم الوزارة. فساق إلى القاهرة فوصلها يوم الثلاثاء عاشر المحرم، فتسلم الوزارة كما قال السلطان.
و ممن توفى فيها من الأعيان.
السلطان الملك المنصور قلاوون
ابن عبد اللَّه التركي الصالحي الألفي، اشتراه الملك الصالح نجم الدين أيوب بن الملك الكامل محمد بن العادل أبى بكر بن أيوب، بألفي دينار، و كان من أكابر الأمراء عنده و بعده، و لما تزوج الملك السعيد بن الظاهر بابنته غازية خاتون، عظم شأنه جدا عند الظاهر، و ما زال يترفع في الدولة حتى صار أتابك سلامش بن الظاهر، ثم رفعه من البين و استقل بالملك في سنة أربع و ثمانين، و فتح طرابلس سنة ثمان و ثمانين، و عزم على فتح عكا و برز إليها فعاجلته المنية في السادس و العشرين من ذي القعدة، و دفن بتربته بمدرسته الهائلة التي أنشأها بين القصرين، التي ليس بديار مصر و لا بالشام مثلها. و فيها دار حديث و مارستان. و عليها أوقاف دارة كثيرة عظيمة، مات عن قريب من ستين سنة، و كانت مدة ملكه اثنتي عشرة سنة، و كان حسن الصورة مهيبا، عليه أبهة السلطنة