البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٤ - ثم دخلت سنة ثلاث و تسعين و خمسمائة
قد انقطعت من الحياة علقهم، و عميت عن النجاة طرقهم، و وقعت الفكرة فيما هم عليه قادمون، و قاموا على صلاتهم و ودوا لو كانوا من الذين عليها دائمون، إلى أن أذن بالركود، و أسعف الهاجدون بالهجود، فأصبح كل مسلم على رفيقه، و يهنيه بسلامة طريقه، و يرى أنه قد بعث بعد النفخة، و أفاق بعد الصيحة و الصرخة، و أن اللَّه قد رد له الكرة، و أحياه بعد أن كاد يأخذه على غرة، و وردت الأخبار بأنها قد كسرت المراكب في البحار، و الأشجار في القفار، و أتلفت خلقا كثيرا من السفار، و منهم من فر فلا ينفعه الفرار. إلى أن قال «و لا يحسب المجلس أنى أرسلت القلم محرفا و العلم مجوفا، فالأمر أعظم، و لكن اللَّه سلم، و نرجو أن اللَّه قد أيقظنا بما به وعظنا، و نبهنا بما فيه ولهنا، فما من عباده إلا من رأى القيامة عيانا، و لم يلتمس عليها من بعد ذلك برهانا، إلا أهل بلدنا فما قص الأولون مثلها في المثلات، و لا سبقت لها سابقة في المعضلات، و الحمد للَّه الّذي من فضله قد جعلنا نخبر عنها، و لا يخبر عنا، و نسأل اللَّه أن يصرف عنا عارض الحرص و الغرور، و لا يجعلنا من أهل الهلاك و الثبور».
و فيها كتب القاضي الفاضل من مصر إلى الملك العادل بدمشق يحثه على قتال الفرنج، و يشكره على ما هو بصدده من محاربتهم، و حفظ حوزة الإسلام، فمن ذلك قوله في بعض تلك الكتب «هذه الأوقات التي أنتم فيها عرائس الأعمار، و هذه النفقات التي تجرى على أيديكم مهور الحور في دار القرار، و ما أسعد من أودع يد اللَّه ما في يديه، فتلك نعم اللَّه عليه، و توفيقه الّذي ما كل من طلبه وصل إليه، و سواد العجاج في هذه المواقف بباطن ما سودته الذنوب من الصحائف، فما أسعد تلك الوقفات و ما أعود بالطمأنينة تلك الرجعات». و كتب أيضا «أدام اللَّه ذلك الاسم تاجا على مفارق المنابر و الطروس، و حياه للدنيا و ما فيها من الأجساد و النفوس، و عرف المملوك من الأمر الّذي اقتضته المشاهدة، و جرت به العافية في سرور، و لا يزيد على سيبه الحال بقوله:
أ لم تر أن المرء تدوى يمينه* * * فيقطعها عمدا ليسلم سائره
و لو كان فيها تدبير لكان مولانا سبق إليه، و من قلم من الإصبع ظفرا فقد جلب إلى الجسد بفعله نفعا، و دفع عنه ضررا، و تجشم المكروه ليس بضائر إذا كان ما جلبه سببا إلى المحمود، و آخر سنوه أول كل غزوة، فلا يسأم مولانا نية الرباط و فعلها، و تجشم الكلف و حملها، فهو إذا صرف وجهه إلى وجه واحد و هو وجه اللَّه، صرف الوجوه إليه كلها وَ الَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَ إِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ.
و في هذه السنة انقضت مدة الهدنة التي كان عقدها الملك صلاح الدين للفرنج فأقبلوا بحدهم و حديدهم، فتلقاهم الملك العادل بمرج عكا فكسرهم و غنمهم، و فتح يافا عنوة و للَّه الحمد و المنة. و قد كانوا كتبوا إلى ملك الألمان يستنهضونه لفتح بيت المقدس فقدر اللَّه هلاكه سريعا، و أخذت الفرنج