البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٧٤ - ثم دخلت سنة ست و سبعين و ستمائة
حكم بالديار المصرية من الحنابلة نيابة عن القاضي تاج الدين ابن بنت الأعز، ثم ولى شمس الدين ابن الشيخ العماد القضاء مستقلا فاستناب به، ثم ترك ذلك و رجع إلى الشام يشتغل و يفتى إلى أن توفى و قد نيف على الستين (رحمه اللَّه).
ثم دخلت سنة ست و سبعين و ستمائة
فيها كانت وفاة الملك الظاهر ركن الدين بييرس، صاحب البلاد المصرية و الشامية و الحلبية و غير ذلك، و أقام ولده ناصر الدين أبا المعالي محمد بركة خان الملقب السعيد من بعده، و وفاة الشيخ محيي الدين النووي إمام الشافعية فيها في اليوم السابع من المحرم منها، و دخل السلطان الملك الظاهر من بلاد الروم و قد كسر التتار على البلستين، و رجع مؤيدا منصورا فدخل دمشق و كان يوم دخوله يوما مشهودا، فنزل بالقصر الأبلق الّذي بناه غربي دمشق بين الميدانين الأخضرين، و تواترت الأخبار إليه بأن أبغا جاء إلى المعركة و نظر إليها و تأسف على من قتل من المغول و أمر بقتل الرواناه و ذكروا أنه قد عزم على قصد الشام، فأمر السلطان بجمع الأمراء و ضرب مشورة فاتفق مع الأمراء على ملاقاته حيث كان، و تقدم بضرب الدهليز على القصر، ثم جاء الخبر بأن أبغا قد رجع إلى بلاده فأمر برد الدهليز و أقام بالقصر الأبلق يجتمع عنده الأعيان و الأمراء و الدولة في أسر حال، و أنعم بال. و أما أبغا فإنه أمر بقتل الرواناه- و كان نائبة على بلاد الروم- و كان اسمه معين الدين سليمان ابن على بن محمد بن حسن، و إنما قتله لأنه اتهمه بممالأته للملك الظاهر، و زعم أنه هو الّذي حسّن له دخول بلاد الروم، و كان الرواناه شجاعا حازما كريما جوادا، و له ميل إلى الملك الظاهر، و كان قد جاوز الخمسين لما قتل.
ثم لما كان يوم السبت خامس عشر المحرم توفى الملك القاهر بهاء الدين عبد الملك بن السلطان المعظم عيسى بن العادل أبى بكر بن أيوب، عن أربع و ستين سنة، و كان رجلا جيدا سليم الصدر كريم الأخلاق، لين الكلمة كثير التواضع، يعاني ملابس العرب و مراكبهم، و كان معظما في الدولة شجاعا مقداما، و قد روى عن ابن الليثي و أجاز للبرزالى. قال البرزالي و يقال إنه سم، و ذكر غيره أن السلطان الملك الظاهر سمه في كأس خمر ناوله إياه فشربه و قام السلطان إلى المرتفق ثم عاد و أخذ الساقي الكأس من يد القاهر فملأه و ناوله السلطان الظاهر و الساقي لا يشعر بشيء مما جرى، و أنسى اللَّه السلطان ذلك الكأس، أو ظن أنه غيره لأمر يريده اللَّه و يقضيه، و كان قد بقي في الكأس بقية كثيرة من ذلك السم، فشرب الظاهر ما في الكأس و لم يشعر حتى شربه فاشتكى بطنه من ساعته، و وجد الوهج و الحر و الكرب الشديد من فوره، و أما القاهر فإنه حمل إلى منزله و هو مغلوب فمات من ليلته. و تمرض الظاهر من ذلك أياما حتى كانت وفاته يوم الخميس بعد الظهر