البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٩ - و فيها توفى السلطان أبو محمد يعقوب بن يوسف
دمشق في غيبة عمه. و ذلك بإشارة أخيه صاحب حلب، و ملك حمص أسد الدين، فلما انتهى إليها و نزل حواليها قطع أنهارها و عقر أشجارها، و أكل ثمارها، و نزل بمخيمه على مسجد القدم، و جاء إليه أخوه الظاهر و ابن عمه الأسد الكاسر و جيش حماه، فكثر جيشه و قوى بأسه، و قد دخل جيشه إلى البلد، و نادوا بشعاره فلم يتابعهم من العامة أحد، و أقبل العادل من ماردين بعساكره و قد التف عليه أمراء أخيه و طائفة بنى أخيه، و أمده كل مصر بأكابره، و سبق الأفضل إلى دمشق بيومين فحصنها و حفظها، و قد استناب على ماردين ولده محمدا الكامل. و لما دخل دمشق خامر إليه أكثر الأمراء من المصريين و غيرهم، و ضعف أمر الأفضل و يئس من برهم و خيرهم، فأقام محاصر البلد بمن معه حتى انسلخ الحول ثم انفصل الحال في أول السنة الآتية على ما سيأتي.
و فيها شرع في بناء سور بغداد بالآجر و الكلس، و فرق على الأمراء و كملت عمارته بعد هذه السنة، فأمنت بغداد من الغرق و الحصار، و لم يكن لها سور قبل ذلك.
و فيها توفى السلطان أبو محمد يعقوب بن يوسف
ابن عبد المؤمن، صاحب المغرب و الأندلس بمدينته، و كان قد بنى عندها مدينة مليحة سماها المهدية، و قد كان دينا حسن السيرة صحيح السريرة، و كان مالكي المذهب، ثم صار ظاهريا حزميا ثم مال إلى مذهب الشافعيّ، و استقضى في بعض بلاده منهم قضاة، و كانت مدة ملكه خمس عشرة سنة، و كان كثير الجهاد (رحمه اللَّه)، و كان يؤم الناس في الصلوات الخمس، و كان قريبا إلى المرأة و الضعيف (رحمه اللَّه). و هو الّذي كتب إليه صلاح الدين يستنجده على الفرنج فلما لم يخاطبه بأمير المؤمنين غضب من ذلك و لم يجبه إلى ما طلب منه، و قام بالملك بعده ولده محمد فسار كسيرة والده، و رجع إليه كثير من البلدان اللاتي كانت قد عصت على أبيه، ثم من بعد ذلك تفرقت بهم الأهواء و باد هذا البيت بعد الملك يعقوب.
و فيها ادعى رجل أعجمى بدمشق أنه عيسى بن مريم، فأمر الأمير صارم الدين برغش نائب القلعة، بصلبه عند حمام العماد الكاتب، خارج باب الفرج مقابل الطاحون التي بين البابين، و قد باد هذا الحمام قديما، و بعد صلبه بيومين ثارت العامة على الروافض و عمدوا إلى قبر رجل منهم بباب الصغير يقال له وثاب فنبشوه و صلبوه مع كلبين، و ذلك في ربيع الآخر منها.
و فيها وقعت فتنة كبيرة ببلاد خراسان، و كان سببها أن فخر الدين محمد بن عمر الرازيّ وفد إلى الملك غياث الدين الغورى صاحب غزنة، فأكرمه و بنى له مدرسة بهراة، و كان أكثر الغورية كرامية فأبغضوا الرازيّ و أحبوا إبعاده عن الملك، فجمعوا له جماعة من الفقهاء الحنفية و الكرامية، و خلقا من الشافعية، و حضر ابن القدوة و كان شيخا معظما في الناس، و هو على مذهب ابن كرام و ابن الهيصم