البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٩٠ - ثم دخلت سنة سبع عشرة و ستمائة
عادتهم لعنهم اللَّه لعنة تدخلهم نار جهنم، و قد كان الناس يخافون منهم خوفا عظيما جدا حتى إنه دخل رجل منهم إلى درب من هذه البلد و به مائة رجل لم يستطع واحد منهم أن يتقدم إليه، و ما زال يقتلهم واحدا بعد واحد حتى قتل الجميع و لم يرفع منهم أحد يده إليه، و نهب ذلك الدرب وحده. و دخلت امرأة منهم في زي رجل [بيتا] فقتلت كل من في ذلك البيت وحدها ثم استشعر أسير معها أنها امرأة فقتلها لعنها اللَّه، ثم قصدوا مدينة إربل فضاق المسلمون لذلك ذرعا و قال أهل تلك النواحي هذا أمر عصيب، و كتب الخليفة إلى أهل الموصل و الملك الأشرف صاحب الجزيرة يقول إني قد جهزت عسكرا فكونوا معه لقتال هؤلاء التتار، فأرسل الأشرف يعتذر إلى الخليفة بأنه متوجه نحو أخيه الكامل إلى الديار المصرية بسبب ما قددهم المسلمين هناك من الفرنج، و أخذهم دمياط الّذي قد أشرفوا بأخذهم لها على أخذ الديار المصرية قاطبة، و كان أخوه المعظم قد قدم على والى حران يستنجده لأخيهما الكامل ليتحاجزوا الفرنج بدمياط و هو على أهبة المسير إلى الديار المصرية، فكتب الخليفة إلى مظفر الدين صاحب إربل ليكون هو المقدم على العساكر التي يبعثها الخليفة و هي عشرة آلاف مقاتل، فلم يقدم عليه منهم ثمانمائة فارس ثم تفرقوا قبل أن يجتمعوا، ف إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ، و لكن اللَّه سلم بأن صرف همة التتار إلى ناحية همذان فصالحهم أهلها و ترك عندهم التتار شحنة، ثم اتفقوا على قتل شحنتهم فرجعوا إليهم فحاصروهم حتى فتحوها قسرا و قتلوا أهلها عن آخرهم، ثم ساروا إلى أذربيجان ففتحوا أردبيل ثم تبريز ثم إلى بيلقان فقتلوا من أهلها خلقا كثيرا و جما غفيرا، و حرقوها و كانوا يفجرون بالنساء ثم يقتلونهن و يشقون بطونهن عن الأجنة ثم عادوا إلى بلاد الكرج و قد استعدت لهم الكرج فاقتتلوا معهم فكسروهم أيضا كسرة فظيعة، ثم فتحوا بلدانا كثيرة يقتلون أهلها و يسبون نساءها و يأسرون من الرجال ما يقاتلون بهم الحصون، يجعلونهم بين أيديهم ترسا يتقون بهم الرمي و غيره، و من سلم منهم قتلوه بعد انقضاء الحرب، ثم ساروا إلى بلاد اللان و القبجاق فاقتتلوا معهم قتالا عظيما فكسروهم و قصدوا أكبر مدائن القبجاق و هي مدينة سوداق و فيها من الأمتعة و الثياب و التجائر من البرطاسي و القندر و السنجاب شيء كثير جدا، و لجأت القبجاق إلى بلاد الروس و كانوا نصارى فاتفقوا معهم على قتال التتار فالتقوا معهم فكسرتهم التتار كسرة فظيعة جدا، ثم ساروا نحو بلقار في حدود العشرين و ستمائة ففرغوا من ذلك كله و رجعوا نحو ملكهم جنكزخان لعنه اللَّه و إياهم. هذا ما فعلته هذه السرية المغرّية، و كان جنكزخان قد أرسل سرية في هذه السنة إلى كلانة و أخرى إلى فرغانة فملكوها، و جهز جيشا آخر نحو خراسان فحاصروا بلخ فصالحهم أهلها، و كذلك صالحوا مدنا كثيرة أخرى، حتى انتهوا إلى الطالقان فأعجزتهم قلعتها و كانت حصينة فحاصروها ستة أشهر حتى عجزوا فكتبوا إلى جنكزخان فقدم بنفسه فحاصرها أربعة أشهر